تحذيرُ الطاعنين من احتقار المسلمين:
من أقبح الأخلاق وأسوأ الطباع: احتقارُ مسلم موحّد؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بحسْب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم».
قال ابن دقيق العيد رحمه الله: "من حقّر مسلماً من المسلمين فقد حقّر ما عظّم اللهُ عز وجل, وكافيه ذلك".
فاحذر أخي المسلم أن تحتقر أخاك المسلم, الذي خلقه ربك ورزقه, وأحسن تقويم خلْقه, وسخّر ما في السموات وما في الأرض جميعاً لأجله, ثم إنّ الله سبحانه سمّاه مسلماً ومؤمناً وعبداً.
واحتقار المسلمِ ناشئ عن الكبر؛ والكِبْرُ من أعظمِ خِصال الشَّرِّ، وفي صحيح مسلم عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «لا يدخلُ الجنَّة من في قلبه مثقالُ ذرَّةٍ من كِبْرٍ».
وهناك علامات تدلّ على هذا الخلق الذميم, ومن أوضحها: الجرأةُ على الردّ على العلماء أو طلاب العلم المجتهدين من أهل السنة والجماعة, فهذه الجرأة في الردود عليهم, وكثرةُ ذلك, دليلٌ على احتقارهم وازدرائهم, ومن حقّر إخوانه حقّره الله في الدنيا والآخرة, فيجعل له الخزي والذكر السيئ وعدم القبول في الدنيا, وأما في الآخرة فالأمر أفظع وأعظم.
وقد جمع هؤلاء - مع ذنب الاحتقار - ذنوبًا عظيمة كبيرة كثيرة:
أولا: الغيبة.
ثانيا: النميمة.
ثالثا: السباب.
رابعا: الاستهزاء.
خامسا: إسقاطُ حُرمة العلماء, وحرمانُ انتفاع كثير من الناس منهم؛ لأنهم حينما طعنوا فيهم, سيتلقى كثير من الناس هذا الطعن بالقبول والتصديق, فيكفّون عن الانتفاع بهم, والاستفادة منهم.
سادسًا: تسْهيل هذه المعاصي وتهوينها في قلوب الناس, فإنّ الناس إذا رأوا المنتسب للعلم يتجرأ على هذه المعاصي في حقّ العلماء وطلاب العلم, هانت وصغُرت في عينه, فأصبح يستهين الغيبة والنميمة والسباب والاستهزاء, بعدما كان يستعظمها قبل ذلك, فيبوء هذا الرجل بإثم هؤلاء كلهم، والناس كأسْراب القطا, مجبولون على تشبه بعضهم ببعض, ولهذا كان المبتدئ بالخير وبالشر له مثل من تَبِعه من الأجر والوزر, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ".
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا؛ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ أَوَّلًا».
فيا للأزوار العظيمة الكثيرة التي سيحْملها هؤلاء إن لم يتوبوا إلى الله تعالى, {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ}.
ولن ينفعَهم يوم القيامة اعتقادُ حسن صنيعهم, فما من بدعة وضلالة إلا وقد زيّنها الشيطان لأصحابها, كما قال تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} وقال: { زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ}, وقال: {كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)} وقال: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا}.
فلا تغترّ بحسن صنِيعك, واعتقادِ صوابِ رأيك وقولِك وفعلِك, بل يجب عليك أن تتورّع وتمْسك لسانك, وأنْ ترجعَ إلى أئمة الهدى الذين أجمعت الأمة على صلاحهم, لا أنْ تستمع إلى من يهوَاه قلبُك, وتميل إليه نفسك الأمارة بالسوء, فالله تعالى يعاقب من اتّبع هواه بالهوان والضلال, قال الله تعالى عن نبيّ الله داود عليه السلام: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ}.
وما نراه من جرأةِ بعض المنتسبين للعلم في هذا الزمان, على العلماء وطلاب العلم الأفاضل, الذين عُرف عنهم اتّباع السنة قولا وعملا, والطعنِ فيهم وسبّهم وكثرة الردود عليهم؛ إنما هو والله من سفاهةِ عقولهم, وشدةِ احتقارهم لإخوانهم, وكبرٍ وعُجْب في نفوسهم, وهذا منهج ضالّ مبتَدَع.
ولم يُعرَف – مع كثرةِ التّتَبّع – من له قَدم صدق في الإسلام, ونفعٍ وقبول، كان على هذا المنهج الضالّ المنحرف.
فاحذر - أخي المسلم – من هذا المنهج الضال, ومن الاستماع لمن ابتُلي به ومجالسته, فإنه يُخشى عليك أنْ تزيغ كما زاغ, وتضلّ كما ضلّ, فالاستماع للمبتدع خطير, وقد تؤثّر بدعتُه عليك, كما هو مشاهدٌ معروفٌ قديمًا وحديثًا.
قال سفيان الثوري رحمه الله: مَن أَصغى بإذنه إلى صاحب بدعة خرج من عصمة الله, ووُكِلَ إليها ـ يعني البدع ـ.
وقال عمرو بن قيس رحمه الله: لا تجالس صاحب زيغ فيزيغ قلبك.
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: من جالس صاحب بدعة لم يُعْطَ الحكمة.
نسأل الله الثبات على دينه, والعصمة من الانحراف والجور والبغي.