انتهيت مؤخرًا من قراءة كتاب "الأكاديميا المظلمة: هكذا تموت الجامعات" للأكاديمي بيتر فلمنغ، وهو من أكثر الكتب إثارة للجدل في نقد التعليم العالي خلال السنوات الأخيرة. لا يتعامل فلمنغ مع جائحة كوفيد-19 بوصفها سببًا لانهيار الجامعات، بل يراها لحظة كشفت أزمة كانت تتشكل منذ عقود، وأظهرت بوضوح هشاشة النموذج الجامعي الذي تبنى منطق السوق على حساب رسالته المعرفية. كوفيد-19... الكاشف لا السبب يرى فلمنغ أن الجائحة لم تخلق الأزمة، وإنما فضحتها. فعندما سارعت الجامعات إلى التعليم الرقمي الكامل حفاظًا على ميزانياتها، بدا واضحًا أن كثيرًا منها أصبح يتعامل مع التعليم باعتباره خدمة تُباع، أكثر من كونه تجربة معرفية وإنسانية. فالجامعة، في نظره، لم تعد فضاءً للنقاش الحر وإنتاج المعرفة، بل منصة تقدم خدمات تعليمية ضمن منطق اقتصادي تحكمه الكفاءة والربحية. من الجامعة إلى المؤسسة التجارية يصف فلمنغ التحول الذي أصاب الجامعات الحديثة بأنه انتقال من مؤسسة تخدم الصالح العام إلى مؤسسة تخضع لمعايير السوق، ويتجلى ذلك في: هيمنة مؤشرات الأداء والتصنيفات العالمية. تضخم الإدارات التنفيذية والبيروقراطية. الاعتماد المتزايد على الإيرادات والتمويل. قياس النجاح بالأرقام أكثر من جودة المعرفة. وهكذا أصبحت الجامعة تُدار بعقلية الشركات، لا بعقلية المؤسسات الأكاديمية. الطالب عميل... والأستاذ موظف من أكثر أفكار الكتاب إثارة أن العلاقة التعليمية نفسها تغيرت. فالطالب لم يعد يُنظر إليه باعتباره باحثًا عن المعرفة، وإنما "مستهلكًا" يدفع رسومًا مقابل خدمة، مما يدفع الجامعات إلى السعي لإرضائه تسويقيًا حفاظًا على سمعتها ومعدلاتها. أما الأستاذ الجامعي، فقد فقد جزءًا كبيرًا من استقلاله، وأصبح خاضعًا لمؤشرات الأداء، وعدد الأبحاث المنشورة، ومعدلات الاقتباس، والتمويل الذي يجلبه للمؤسسة، في ظل ثقافة بات شعارها: "انشر أو اندثر". البيروقراطية التي ابتلعت الجامعة يخصص فلمنغ مساحة واسعة لتحليل صعود الإدارة التنفيذية داخل الجامعات. فقد توسعت صلاحيات المديرين والإداريين على حساب استقلال الأكاديميين، وأصبحت مراجعات الأداء، والتقارير، والرقابة المستمرة جزءًا من الحياة اليومية للأستاذ الجامعي، حتى بات العمل الإداري يطغى أحيانًا على البحث والتدريس. الوجه الإنساني للأزمة لا يكتفي الكتاب بالنقد المؤسسي، بل يتناول الثمن الإنساني لهذه التحولات. فبيئة العمل الأكاديمية، كما يصورها فلمنغ، أصبحت أكثر تنافسية وعزلة، وارتفعت فيها معدلات القلق والاحتراق المهني، خصوصًا بين الباحثين الشباب وأصحاب العقود المؤقتة. ويستشهد بعدد من الوقائع المؤلمة لأكاديميين انتهت حياتهم بالانتhار أو الانهيار النفسي، معتبرًا أن هذه الحالات ليست مآسي فردية، بل أعراض لأزمة بنيوية داخل الجامعة الحديثة. أزمة عالمية... لا محلية أثناء القراءة، كان أكثر ما لفت انتباهي أن كثيرًا من المشكلات التي نربطها عادة بجامعاتنا ليست حكرًا على مصر أو الشرق الأوسط. فالكتاب يكشف أن أزمات البيروقراطية، وهشاشة العمل الأكاديمي، وتسليع التعليم، أصبحت حاضرة حتى داخل أعرق الجامعات العالمية، وإن اختلفت درجاتها من بلد إلى آخر. هل بالغ فلمنغ؟ رغم النبرة القاتمة التي تسيطر على الكتاب، فإن كثيرًا من الباحثين اعتبروا تحليله واقعيًا أكثر منه مبالغًا فيه، لأنه يصف تحولات يشهدها التعليم العالي بالفعل. ومع ذلك، يمكن توجيه بعض الملاحظات النقدية إلى أطروحته: يركز بصورة كبيرة على الجوانب السلبية، ويمنح مساحة محدودة للنجاحات التي ما تزال تحققها الجامعات في البحث العلمي والابتكار. يتعامل أحيانًا مع الجامعة التقليدية بوصفها نموذجًا مثاليًا، رغم أنها تاريخيًا لم تكن مؤسسة متاحة للجميع، بل ارتبطت طويلًا بالامتيازات الطبقية والعرقية. كما أن كثيرًا من المشكلات التي يناقشها ليست حكرًا على الجامعات، وإنما تعكس تحولات أوسع فرضها الاقتصاد الرأسمالي المعاصر على معظم بيئات العمل. الجامعة أم الرأسمالية؟ أثناء القراءة، راودني سؤال ظل حاضرًا حتى الصفحة الأخيرة: هل المشكلة في الجامعة نفسها، أم في النموذج الاقتصادي الذي أصبحت تعمل داخله؟ يبدو أن فلمنغ يحمّل الجامعة جانبًا كبيرًا من المسؤولية، لكنه لا يمنح السياق الاقتصادي والسياسي العالمي المساحة نفسها من التحليل. فالرقابة، وضغوط الإنتاج، والعقود المؤقتة، والهوس بالمؤشرات ليست سمات أكاديمية خالصة، بل أصبحت جزءًا من منطق العمل في الاقتصاد النيوليبرالي بأكمله. في النهاية... تكمن القيمة الحقيقية لهذا الكتاب في أنه لا يقدم إجابات نهائية، بل يفرض أسئلة يصعب تجاهلها: ما الوظيفة الحقيقية للجامعة؟ هل يمكن أن تبقى المعرفة مستقلة في ظل منطق السوق؟ وهل يستطيع التعليم العالي استعادة دوره بوصفه فضاءً للنقد والتفكير الحر؟
انتهيت مؤخرًا من قراءة كتاب "الأكاديميا المظلمة: هكذا تموت الجامعات"… — قناة: ذا اثر 🔻 نصنع وعياً — TG.ME
August 3, 2026 152 2