Wolfram: post #7643 — TG.ME

لا ندري من المقبول عند الله!

ليس المقياس قوّةَ الحفظ، ولا كثرةَ الشيوخ والمرويات، ولا علوَّ الإسناد وحده، وإنما المعتبر هو الضبط والإتقان، وما أورثه ذلك العلم في صاحبه من خشيةٍ وتقوى، وما قام في تعلُّمه وتعليمه من إخلاصٍ وصدق.

فقد يكون رجلٌ قد أقرأ الصبيانَ الصغارَ القرآنَ الكريم، أو علَّمهم فاتحةَ الكتاب أو قصار السور، فيكون عملُه عند الله عظيمًا، ويبلغ به من القبول ما لا نعلمه، وربما كان ذلك سببًا في نجاته، مع أن غيره قد يكون أقرأ بالروايات والقراءات، وكثرت شيوخه ومروياته، وارتفع إسناده؛ فليس لنا أن نجزم لمن بالقبول، ولا أن نجعل كثرة العلم الظاهرة ميزانًا للحكم على منزلة صاحبه عند الله تعالى.

ومن أعجب ما يُروى في هذا المعنى، ما جاء في ترجمة الإمام أبي منصور الخيّاط البغدادي(ت:٤٩٩هـ)، - وكان من أئمة القراءات، وقد جلس لتعليم كتاب الله زمنًا طويلًا، وأقرأ أممًا من الناس- أنه (رُئي بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بتعليمي الصبيان فاتحة الكتاب).

وكذلك ما جاء في ترجمة الإمام أحمد بن أسد الأميوطي(ت: ٨٧٢هـ) تلميذ الإمام ابن الجزري، أنه: كان في بداية أمره يُعلّم الأطفال الصغار، ويتكسب من ذلك، ونبغ من هؤلاء الأطفال جماعةٌ من العلماء.

وهذا لا يعني أن تعليم الكبار أو إقراء القراءات العشر أو تحصيل الأسانيد أمورٌ قليلة الشأن، حاشا؛ وإنما المقصود أن فضل العمل وقَبوله عند الله لا يُقاس بمجرد صورته الظاهرة، ولا بكثرة ما يحصّله الإنسان من العلم والرواية، وإنما بالإخلاص والتقوى والنفع، والتواضع، وعدم الحقد والحسد، وغير ذلك من أمراض القلوب.

فلا ينبغي أن نحتقر من اشتغل بتعليم الصغار، أو رأيناه قائمًا على جانب من جوانب تعليم القرآن ونفع عامة المسلمين - مباشرة أو أولاين - ؛ فقد يكون هذا العمل الذي يراه بعض الناس يسيرًا، هو عند الله عظيم.

ولعلّ معلّمًا للصبيان أو عامة الناس يعلّمهم الفاتحة أو قصار السور، فيبقى أثر تعليمه معهم ما بقوا، ويقرؤون ذلك في صلواتهم، ويعلّمونه من بعدهم، فيكون له من الأجر ما لا يعلمه إلا الله.

فلا ندري من المقبول عند الله تعالى!

نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في العلم والتعليم، وأن يجعل ذلك حجةً لنا لا علينا، وأن يتقبّل منا صالح أعمالنا.

كتبه:
حسن مصطفى الورّاقي
الاثنين: ٤/ ٣/ ١٤٤٨هـ
❤1
August 20, 2026 250