محتاجٌ أم مُستهلك؟
نعيش اليوم في عالمٍ مفتوحٍ على كل ما يُثير حاجاتنا. المنتجات تتكاثر من حولنا، والوسائل صارت سهلة ومُتاحة حتى بتنا نطلب من الصين وهواتفنا بين أيدينا، وندفع ببطاقة صغيرة، فيأتي الطلب إلى باب بيتنا. صار من الطبيعي إذن أن تزداد رغباتنا، لكن المشكلة أن هذه الرغبات لم تعد تُضبط بميزان الشرع ولا تُهذَّب بروح الزهد والتقلل من الدنيا. نسينا النهي عن التبذير، وأعرضنا عن معاني الكفاية، ولم نعد نقتدي بسيدنا رسول الله ﷺ ولا بأصحابه ولا خلفائه رضي الله عنهم أجمعين.
إلى جانب ذلك، تُحاصرنا الإعلانات من كل اتجاه، تقتحم خصوصيتنا، بل تكاد تَعرف ما نُفكر فيه. ربما تتحدث مع صديقك عن منتج ما، ثم تفتح هاتفك فتجد الإعلان أمامك مباشرة! كل هذه العوامل اجتمعت لتجعلنا ننتقل من بشر "محتاجين" إلى بشر "مستهلكين".
صرنا نستهلك من أجل الاستهلاك، لا من أجل الحاجة. لا نفكر في العواقب، ولا نُبالي بما وراء أفعالنا، يكفينا أن نُشبع الرغبة اللحظية ونشعر وكأننا أسياد هذا العالم الذي يُلبي أوامرنا بلمسة زر.
وهذا ونحن ندفع المال من جيوبنا، فما بالك إذا كان الشيء مجانيًّا؟!🙃فتذكرت هذا جيدًا في الجامعة. فقد وفرت لنا الإدارة مُبردات ماء في كل دور، ومعها أكواب بلاستيكية مجانية.
وعندنا مثل مصري يقول: "أبو بلاش كَتّر منه". لكن، هل هذا المثل يُبرر أن نستهلك بلا وعي؟
وكان الأمر في بدايته يبدو جميلًا، لكنني سرعان ما انزعجت من المشهد: جِبال من الأكواب المتراكمة بجوار المبردات، وفي كل كوب بقايا من الماء! زملائي يستهلك الواحد منهم كوبين، أو ثلاثة، وربما خمسة أكواب في اليوم الواحد، مع أن الكوب ما يزال نظيفًا ويمكن استخدامه مرات ومرات!!
تساءلت: لماذا لا يكتفي كل واحد منا بكوب واحد يحتفظ به طوال اليوم الدراسي؟ لماذا نرمي الكوب بعد أول شربة ماء وكأنه صار عديم القيمة؟ أليس هذا استهلاكًا بلا معنى؟!
منذ تلك اللحظة، بدأتُ أعيش بما تعلمته من مفاهيم فقه النفس فأصبحت أأخذ كوبًا واحدًا في بداية اليوم، وأعيده إلى حقيبتي بعد كل شرب، ثم أستخدمه مرة ثانية وثالثة ورابعة حتى نهاية اليوم. الأمر سهل، لكنه علّمني الكثير. علّمني أن الاستهلاك ليس قدرًا محتومًا، وإنما هو قرار نابع من حاجتنا. علّمني أنني حين أُهذّب رغبتي الصغيرة، أكون قد انتصرت على استهلاك أكبر قد أقع فيه.
وهنا ظهر لي أثر "فقه النفس" الذي تعلمناه، والذي يُرشدك كيف تُفرّق بين الحاجة الحقيقية والرغبة الزائدة، ويُعلّمك الاقتصاد بلا بخل، والاعتدال بلا إسراف.
فالحمد لله الذي هدانا لهذا، والحمد لله على وجود فقه النفس وأهل فقه النفس، وجزى الله عنّا أبي مريم كل خير ونفع بعمله يارب.
.

