أين أنت اليوم؟
أحتاجك.
أحتاج من يربّت على كتفي، ولو لدقيقة واحدة...
فقلبي مزدحم، وجرحي المدفون التهب اليوم، ثم نزف دفعةً واحدة.
عزيزي...
إن كنت تسمعني، فاعلم أنني متعبة.
وإن قرأتني بعد سنوات، فاعلم أنني كنتُ في يومٍ كهذا بحاجةٍ إليك، لكنك لم تكن تعلم.
قل لي، يا عزيزي، إنني سأكمل الطريق، حتى وإن لم يكن الطريق الذي تمنّيته.
قل لي، ولو كذبًا، إنني سأعتاد، وإنني سأستطيع أن أحب ما وصلتُ إليه.
اخدعني ببضع كلماتٍ فقط، لعلها تطفئ شيئًا من هذا اللهيب الذي لا يراه أحد.
فأنا أتجرّع الجمر كل يوم، ثم أبتسم للجميع وأخبرهم أنني بخير، وأنني أحب ما وصلتُ إليه...
لكنني كذبت.
أنا لا أزال أتفطّر رويدًا.
كان لي طريقٌ آخر...
طريقٌ رسمته طفلةٌ صغيرة في قلبها قبل أن تعرف أن للحياة طرقًا لا تستأذننا حين تغلقها.
كنتُ أرى نفسي هناك؛
في المكان الذي طالما حلمت به، أرتدي حلمي الأبيض، وأمضي نحو الطب كما لو أن الطريق خُلق لي.
ثم كبرت...
واكتشفت أن بعض الأمنيات لا يكفي أن نحبها كي تصبح لنا.
لم أدخل الطب.
وما زلت حتى اليوم لا أعرف كيف أشرح لهذه الطفلة أن الحلم الذي عاشت لأجله لم يعد ينتظرها.
خُدعت طفلةٌ وثقت بحلمها منذ نعومة أظافرها،
وحين كبرت، لم تجد سوى بقايا طريقٍ آخر، وثقل أيامٍ لم تكن مستعدةً لحملها.
لهذا أحتاجك اليوم.
لا أريد منك أن تعيد إليّ ما فقدت، ولا أن تغيّر لي قدرًا مضى...
أريد فقط كتفًا أستند إليه للحظة، وصوتًا يقول لي إن الخيبة لا تجعلني أقلّ قيمة، وإن الطريق الذي لم أصل إليه لا يعني أنني كنتُ أقلّ استحقاقًا له.
لكنني، في الحقيقة، لا أريد مواساةً كثيرة.
فبعض الخيبات أكبر من أن تُرمّمها الكلمات.
وأنا اليوم لا أرثي تخصصًا لم أدخله فحسب...
أنا أرثي تلك الطفلة التي أمضت أعوامًا وهي تظن أن الحياة ستفي بوعدها.
أرثي صورتها وهي تلوّح لحلمها من بعيد، وعيناها ممتلئتان بذلك اليقين البريء...
ثم أعود إليها الآن،
وأحاول أن أخبرها بأن علينا أن نمضي.
لكنها تنظر إليّ بصمت،
وكأنها تسألني:
«وإلى أين؟
إلى الطريق الذي اخترته... أم إلى الطريق الذي اختارته الحياة لي؟»
ولا أملك جوابًا.
عزيزي...
إن رأيتني بعد سنوات، فلا تسألني أين ذهب حلمي.
فقط اقترب، وربّت على كتفي،
وقل لي إنك تعرف كم كان يؤلمني أن أبتسم وأنا أودّع شيئًا تمنّيته بكل ما فيّ.
أما الآن...
فاعذر عبراتي.
سأكمل الطريق، نعم...
لكنني للمرة الأولى لا أملك الشجاعة لأقول إنني أحبّه.
وربما سأعتاد عليه يومًا،
وربما سأجد فيه شيئًا يشبهني...
لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
أنني حين قلتُ للطفلة التي كنتها:
«لا بأس... سنجد طريقًا آخر.»
كنتُ أحاول فقط أن أخفي عنها الحقيقة.
أن بعض الطرق حين تضيع...
لا يعوّضها طريقٌ آخر.
وأنا، حتى هذه اللحظة،
ما زلت واقفةً عند مفترق الطريق...
ألوّح لحلمي من بعيد،
وأمضي في الاتجاه الآخر،
وقلبي...
ما زال هناك.!
#إيمان_أحمد
5
4September 3, 2026 88