ذات يوم...
حينَ يرنُّ جرسُ منزلنا، وأنا في مطبخِنا أُعدُّ لكَ حُبًّا قبلَ الطعام،سأتركُ كُلَّ شيءٍ في يدي، وأهرعُ نحوَ الباب،وكأنَّ قلبي هو الذي سمعَ الجرسَ قبلي.
سأمسحُ يدي بطرفِ مِئزري،وأمرُّ أمامَ المِرآةِ في طريقي،أُرتّبُ خصلاتي التي بعثرتْهَا ساعاتُ انشغالي بإعدادِ ألذَّ وجبةٍ تُحبها،ثم أفتح الباب...
فتسبِقُني إلى صدركَ ضحكاتُ أطفالِنا.
سيركضُونَ نحوكَ كأنَّهم لم يروكَ منذُ أعوام،يتعلّقُ أحدهمْ بيدكَ،ويُخفي الآخرُ وجههُ في كتفكَ،وثالثُهم يقفز حولكَ يحكي لكَ، دفعةً واحدةً،عن مغامراتِ يومهِ الصغيرة.
وأنا؟ سأقفُ عند البابِ أُراقِبُكُم،وأبتسمُ لذلكَ المشهدِ الذي طالما خبأتُه في زاويةٍ دافئةٍ من قلبي.
لكنني، حين أراكَ توزّعُ قُبلاتِكَ عليهم جميعًا،سأقتربُ متظاهرةً بالغيرةِ، وأقول:
"يبدو أنني سأنتظر دوري طويلًا اليوم!"
فتضحكُ، وتفتحُ لي ذراعيكَ، وكأنكَ كنتَ تعرفُ منذُ البدايةِ أنني لن أقبلَ أن يأخذَ أحدٌ نصيبي منكَ.
سأقتربُ منكَ، وأتركُ رأسي يستريحُ للحظةٍ على كتفكَ، ثُمَّ أهمسُ لكَ:
"هؤلاء أخذوا حُضنَ أبيهم...
وأنا أريدُ حُضن زوجي."
فتضحكُ أنت، وأضحكُ أنا، ويعودُ البيت منذُ اللحظةِ الأولى مُمتلئًا بنا.
ثُمَّ ندخلُ...
تتبعثرُ أحذيتُهم الصغيرةُ عند الباب، وتتوزعُ حقائبُهم و العابُهم في الممر، وتعلو أصواتَهم في المنزلِ، وأنا أحاولُ جمعَ فوضاهم، بينما أنتَ تقفُ تراقبُني بابتسامتكَ التي تجعلُني أنسى، كُلَّ مرةٍ، لماذا كنتُ أتظاهرُ بالغضبِ.
ثُمَّ أعودُ إلى المطبخِ لأكملَ طعامُنا،فتأتي خلفي وتسألُني:
"ماذا أعددتِ اليوم؟"
وأتظاهرُ بأنني لن أخبركَ،فتقترب أكثر،
وتحاول اختلاس نظرةٍ إلى القدر، فأُبعدكَ عنه وأقول:
"لا، ممنوع... ستفسد المفاجأة."
فتضحك، ثم تسرقُ لقمةً صغيرة من الطبق، فأنظر إليكَ بنظرةِ عتابٍ مصطنعة، وأقول:
"ألم أقل لك انتظر؟"
فتُجيبُني بابتسامتكَ:
"لكنني جائع."
فأهمسُ وأنا أضعُ لكَ اللقمة التالية:
"أعرف... ولهذا صنعتُها لكَ."
وحين يحين وقت الطعام،نجتمع حول المائدة.
يتحدثُ أطفالنا في الوقتِ نفسه،كل واحدٍ منهم يريد أن يكونَ صاحبُ الحكايةِ الأهمّ، وأنتَ تحاول أن تستمعُ إليهم جميعًا، وأنا أُراقبكَ من الطرفِ الآخر للمائدةِ.
وحين تضحك لإحدى حكاياتهم،أشعر بغيرةٍ صغيرة لطيفة،فأقول لكَ ممازحة:
"أنتَ تضحكُ لهم كثيرًا..."
فتلتفت إليّ، وتلك النظرة وحدها تكفيني، ثُمَّ تقولُ شيئًا يجعلني أُشيحُ بوجهي كي لا ترى ابتسامتي.
يا لعجبي...
كيف يُمكن لنظرةٍ واحدةٍ منكَ أن تجعلُني أشعرُ أنني، وسط هذا البيت كله،
ما زلتُ طفلتكَ المُدللة؟
يأتي الليل بهدوءهِ،بعدَ شغبِ يومٍ كاملٍ،
وتبدأُ معركةُ الألعاب الصغيرة.
نرتبُ ما بعثرهُ أطفالُنا،ونعيدُ كُلَّ لعبةٍ إلى مكانِها، ثُمَّ نجلسُ بينهم لنقرأَ لهم حكايةَ ما قبلَ النوم.
يتسللون إلى جواركَ، واحدٌ يضعُ رأسهُ على صدركَ، والآخرُ يُمسكُ بيدكَ، وأنا أجلسُ أمامَكم أراقبُ ذلكَ المشهد...
ثُمَّ أقولُ لكَ، بنبرةٍ لا تخلو من غيرة:
"حتى وقتَ الحكايةِ أخذوكَ مني!"
فتبتسم، وتُشيرُ إليّ أن أجلسَ بجواركَ.
أقتربُ، فيتسعُ المكان لنا جميعًا،
ويصبحُ الكتابَ بين أيدينا، والحكايةُ في منتصفها، وأصواتُ أطفالِنا تخفُتُ شيئًا فشيئًا...
حتى تغفو أعينَهم.
نحمِلهمْ إلى أسرّتهم، نقبّل جباهُهم الصغيرة، ونسحبُ الغطاءَ فوق أجسادِهم، ثم نبقى لحظةً عند الباب،
نتأملُ نومهم بصمتٍ.
نغلقُ البابَ بهدوءٍ، ونعودُ إلى غرفة الجلوس...
وهناك، حين يسكنُ البيتَ أخيرًا، أجدُني أتنفسُ بعمقٍ، وأجلسُ بجانبكَ.
أضعُ رأسي على كتفكَ، وتتسللُ أصابعكَ إلى يدي، فتتشابكُ أصابِعُنا ببساطةٍ تُشبهُ كُلَّ الأشياءِ التي تمنيتُها.
لا أحتاجُ حينها إلى حديثٍ طويل...
يكفيني أن تكونَ بجانبي.
ثُمَّ تميلُ نحوي، وتهمسُ بكلماتٍ دافئةٍ في أُذني، كلماتٍ صغيرةٍ، لكنَّها تمسحُ عن قلبي تعبُ يومٍ كامل.
فأُغمضُ عينيّ وأبتسم...
وأفكر:
هذا هو الحبُ الذي أُريدهُ؛ ليسَ حُبًا يملأ القصائد فحسب، بل حُبًا يملأُ المطبخَ برائحةِ الطعام، والممرَ بخطواتِ الأطفال، وغرفةَ الجُلوسِ بالضحكاتِ، والليلَ بطمأنينة قلبين وجدا أخيرًا مكانَهُما.
فقط في ذلك اليوم...
ومن ثَمَّ كُلَّ يوم، سأُحيطكَ بالدفءِ، وأُخبئُ لكَ الحُبَّ في تفاصيلكَ الصغيرة،
في فنجانِ قهوتكَ، وفي وجبتكَ التي تُحب، وفي انتظاري لصوتِ مفتاحكَ عندَ الباب.
سأغارُ عليكَ غيرةً لطيفةً، لا لأقيّدَ قلبكَ،
بل لأنني أُحبُ أن يكونَ لي منكَ ذلكَ الجُزءُ الذي لا يُشارِكُني فيه أحد؛ نظرتكَ التي أعرفُها، وابتسامتكَ التي تخُصني،
والحضنُ الذي أعودُ إليه كلما أتعبني العالم.
سأنتظرُ ذلكَ اليومَ بلهفةٍ،يا عزيزي...
اليوم الذي يصبحُ فيه ما أكتبه الآن
بيتًا صغيرًا يسكنه قلبانَا، وضجيجًا نُحبّهُ، وأيديٍ صغيرةً تتشبثُ بِنَا، ومساءاتٍ طويلةٍ نقولُ فيها لبعضِنَا:
"الحمد لله، أننا وصلْنَا أخيرًا إلى الحياةِ التي تمنيناهَا."
#إيمان_أحمد
2
5
5
1
1
1
5
5
1
1
1August 31, 2026 175 1