وُلدنا في عالمٍ لم يُمهّد لنا الطريق، بل قذفنا في منتصف العاصفة ثم قال: قاوموا. لم تُدلّلنا الحياة، ولم تُعطنا فرصة لنتعلّم الألم بالتدرّج؛ بل صفعتنا دفعةً واحدة حتى عرفنا شكل الوجع قبل أن نعرف شكل الفرح. كبرنا ونحن نبحث عن صدرٍ يحتمل انكسارنا، عن يدٍ تمسكنا حين تتهاوى أرواحنا، عن لحظة أمان لا نشعر فيها أننا نخوض المعركة وحدنا.
نعم، يحقّ لنا أن نبكي، لا لأننا ضعفاء، بل لأن في داخلنا أشياء تحطّمت بصمتٍ طويل. يحقّ لنا حين يتكدّس الوجع فوق صدورنا حتى يصبح التنفّس مهمة شاقة، حين يتشقق القلب من الداخل ولا يسمع صوته أحد. البكاء ليس هزيمة، الهزيمة الحقيقية أن نصير حجارة، أن نموت من الداخل ونحن ما زلنا نسير بين الناس بوجوهٍ جامدة.
عامٌ واحد فقط كان كافيًا ليخلع عن أعيننا الغشاوة. رأينا الحقيقة عارية: لا أحد سيحارب معاركنا بدلًا عنا، ولا الألم سيتراجع لأننا تجاهلناه. تعلّمنا بالطريقة الأقسى أن القوة ليست في الادعاء، ولا في الهروب، بل في أن نقف أمام وجعنا دون أقنعة، أن نعترف بأننا نتألم، ثم نواصل السير رغم ذلك.
اليوم، بعد كل ما انكسر، لم نعد أولئك الذين كنّا هم. في داخلنا ندوب، نعم، لكنها ليست عارًا، إنها خريطة المعارك التي نجونا منها. صار فينا صمتٌ أعمق، ونظرةٌ أصدق، وقلبٌ يعرف هشاشته فلا يتعالى على أحد. تغيّرنا، قسونا قليلًا، نضجنا كثيرًا، وفقدنا أشياء لن تعود، لكننا ربحنا أنفسنا.
وربما هذه هي الحقيقة التي لم نفهمها إلا متأخرين: لم نُخلق لنظل كما نحن. بعض الانكسارات لا تأتي لتُسقطنا، بل لتعيد تشكيلنا بشكلٍ أصلب، شكلٍ يعرف أن الألم ليس النهاية، بل بداية نسخةٍ جديدة منّا، نسخة لا تخاف السقوط، لأنها تعلّمت كيف تنهض وحدها.
1
1
1June 29, 2026 33