الفرقُ بين نقضِ الدليلِ ونقضِ المدَّعى عند المتكلِّمين إنَّ علماءَ… — جهود علماء شبه القارة الهندية في خدمة العلوم العقلية — TG.ME

الفرقُ بين نقضِ الدليلِ ونقضِ المدَّعى عند المتكلِّمين إنَّ علماءَ الكلام إذا قرَّروا في إبطالِ دليلِ المخالف أنَّه يلزمُ منه كذا، لا ما هو مدَّعاه، فإنما يقصدون بذلك أنَّ الدليلَ المذكور لا يثبتُ مدَّعاه، وليس مرادُهم أنَّ ما بيَّنوه من اللازم أمرٌ مسلَّمٌ عندهم، بل قد يكون ذلك على سبيل التنزُّل وإرخاءِ العنان في الجدل. وأما إذا أوردوا النقضَ على دليلِ الموافق، فمعاذَ الله أن يكون في ذلك تعرُّضٌ للمدَّعى نفسه، أو مناقشةٌ في صحَّته؛ وإنما المقصودُ إبطالُ خصوصِ ذلك الدليلِ وبيانُ عدمِ إفادته للمدَّعى. بل إنَّ بعضَ الأدلة التي يُبحث بها في إثباتِ التوحيدِ ووجودِ الواجبِ تعالى، قد يَرِد عليها النقضُ أو المنعُ من جهةِ الدليل، ولا يكون المقصودُ بذلك ـ بحالٍ ـ تضعيفَ المدلولِ أو القدحَ في أصلِ المطلوب، وإنما المقصودُ تضعيفُ ذلك الدليلِ المعيَّن وبيانُ قصورِه عن إفادةِ المطلوب. وعلى هذا جرى المحقِّقُ جلالُ الدين الدواني -رحمه الله- في «شرح العقائد الجلالية»، حيث ردَّ دليلَ الفلاسفةِ على قِدَمِ العالمِ في موضعين، وقرَّر أنَّ لازمَ دليلهم ـ على تقديرِ صحَّته ـ إنما هو قِدَمٌ جنسيٌّ لا قِدَمٌ شخصيٌّ. وليس مرادُه بذلك التسليمَ بمبنى الدليلِ أو الإقرارَ بمقدَّماته، وإنما هو جارٍ على مقتضى عاداتِ أهلِ النظرِ في المناظرةِ والجدل، من التنزُّل مع الخصمِ وإلزامِه بمقتضى دليله. ومن هنا يظهر أنَّ ما أورده الدواني رحمه الله في ذلك المقام لا يتعارضُ مع ما قرَّره بعد ذلك من إقامةِ براهينِ التطبيقِ والتضايف، وإثباتِ جريانِها مطلقًا من غير اشتراطِ الاجتماعِ والترتيب، بل أثبت ذلك بعد سعيٍ بالغٍ وتحقيقٍ دقيق؛ فليس في ردِّه دليلَ الخصمِّ في مقامٍ ما ما يدلُّ على ردِّ أصلِ المدَّعى أو المناقشةِ في مدلوله، إذ المدارُ في مثلِ هذه المواضع على إبطالِ الدليلِ المخصوص، لا على إبطالِ المطلوبِ الذي سِيْقَ الدليلُ لإثباته. -الكلمةُ المُلْهَمةُ لوهاء الفلسفة المشئمة للشيخ الإمام أحمد رضا خان الهنديِّ رحمه الله تعالى-

August 9, 2026 376 2