حين يتحوّل الحرص على مستقبل أبنائنا إلى تجارةٍ بالقلق والخوف
بالأمس، كان أصحاب المطامع من بعض أصحاب البيجات التجارية يدعون الطلبة إلى شراء ملازمهم والدخول في دوراتهم، بحجة أن مستقبل الطالب يتوقف على هذه الملازم وتلك الدورات، وأن الأسئلة ستكون صعبة وتحتاج إلى تدريب خاص.
واليوم، وبعد أن تفاجأ كثير من الطلبة وأولياء أمورهم بعدم تأهل أبنائهم، بدأ بعض هؤلاء أنفسهم يدعون الطلبة المؤهلين إلى شراء ملازم جديدة والدخول في دورات أخرى، بحجة أنها ستساعدهم على الحصول على الإعفاء!
وهنا يحق لنا أن نتساءل: إذا كان الطالب يحتاج في كل مرحلة إلى ملازم ودورات خاصة حتى ينجح، فما دور المدرسة إذن؟ وما الذي بقي من دور المنهج والمعلم والمدرسة في تعليم الطالب وتأهيله؟
هؤلاء الطلبة كانوا قد درسوا مواد الصف السادس الابتدائي، وفهموها، وحصلوا فيها على درجات عالية، وكان المفترض أن تكون المرحلة التالية مجرد مراجعة لما سبق أن تعلموه والاستعداد للاختبار.
لكن مع اقتراب موعد الاختبار، تبدأ بعض الصفحات التجارية وبعض الجهات التعليمية بالترويج للملازم والدورات الخاصة بما يُسمّى «التحصيلي»، تحت عناوين من قبيل: احرص على مستقبل ابنك، لا تضيّع الفرصة، الأسئلة ستكون صعبة، ابنك يحتاج إلى تدريب خاص...
وهنا يبدأ القلق.
شيئًا فشيئًا، يترك الطالب المنهج الذي درسه وفهمه، وينشغل بأسئلة تعجيزية وأفكار معقدة وأسئلة قد تخرجه عن حدود ما يفترض أن يُقاس في الاختبار، فيتحول هدفه من مراجعة ما تعلمه إلى محاولة توقع السؤال الغريب الذي قد يأتيه.
وهكذا يتحول الاستعداد من مراجعة هادئة إلى سباق مرهق، ومن الثقة بالنفس إلى الخوف من الفشل.
والأخطر من ذلك أن الضغط المستمر قد يجعل الطالب، بدل أن يستفيد مما قرأه، يدخل الاختبار وهو مرتبك ومتعب نفسيًا، فيصعب عليه استحضار حتى المعلومات التي كان يعرفها جيدًا.
وبعد ظهور النتائج، كانت الصدمة لدى كثير من العائلات: ابن أو ابنة لم يتأهل للمدرسة التي كانوا يتمنونها.
ومن المؤلم قراءة بعض التعليقات التي تصف أبناءً دخلوا في حالة من الانهيار والحزن الشديد لمجرد عدم قبولهم.
وهنا علينا أن نتوقف قليلًا.
المشكلة ليست في الصفحات التجارية وحدها، ولا في بعض المدرسين وحدهم، بل إن للأهل دورًا كبيرًا أيضًا عندما تتحول المدرسة إلى معيار وحيد لقيمة أبنائهم.
أيها الآباء والأمهات، أبناءكم ليسوا نتيجة اختبار، وليس مستقبلهم محصورًا في مدرسة واحدة.
إن لم يُقبل ابنك في مدرسة المتميزين أو المتفوقين، فهذا لا يعني أنه غير ذكي، ولا يعني أن مستواه ضعيف، ولا يعني أن مستقبله قد انتهى.
ربما اجتهد ولم يحالفه التوفيق، وربما لم يكن الاختبار مناسبًا لقياس قدراته الحقيقية، وربما كان نصيبه أن يسلك طريقًا آخر يبدع فيه أكثر.
مدارس المتميزين والمتفوقين ليست نهاية الطريق، بل هي طريق من عدة طرق.
قد تجدون أبناءكم يتألقون في مدارس أخرى، وقد يحققون نتائج عظيمة في مراحل لاحقة، لأن التفوق الحقيقي لا تحدده مدرسة واحدة ولا امتحان واحد.
لذلك، إذا لم يُقبل ابنك، فلا تجعله يشعر بأنه خيّب أملك. لا تقارنه بغيره، ولا تسأله: «كيف قُبل فلان ولم تُقبل أنت؟» ولا تسمح لكلمة عابرة أن تهدم ثقته بنفسه.
احتضنه، وقل له: «أنا فخور بك، وهذه ليست نهاية الطريق، وسنواصل معًا.»
أما الخلاف الذي نشهده اليوم في مواقع التواصل بين أولياء الأمور، بين من قُبل أبناؤهم ومن لم يُقبلوا، فهو أمر لا يليق بنا ولا بأبنائنا.
من غير المقبول أن يقول أحدهم للآخر: ابنك قُبل بالواسطة، كما أنه ليس من المقبول أن يرد الآخر قائلًا: ابنك لم يُقبل لأنه ليس شاطرًا وهذا مستواه.
لا أحد منا يملك الحق في الحكم على أبناء الآخرين من خلال نتيجة اختبار.
ومن قُبل ابنه، فليفرح به ويشكر الله على توفيقه، من دون أن يجعل نجاحه وسيلة للتقليل من أبناء غيره.
ومن لم يُقبل ابنه، فليتقبل الأمر بهدوء، وليعلم أن رزق أبنائه ومستقبلهم أكبر من نتيجة اختبار.
لنربِّ أبناءنا على أن النجاح ليس مقعدًا في مدرسة بعينها، وأن التعثر في محطة لا يعني الفشل في الحياة.
وفي النهاية، أتمنى من جميع أولياء الأمور أن يضعوا مشاعر أبنائهم فوق كل مسمى وكل مدرسة وكل نتيجة.
فالطالب الذي نحاول اليوم أن نضعه في مدرسة «المتفوقين»، قد نخسره غدًا إذا جعلناه يعتقد أن قيمته مرتبطة بالقبول فيها.
فلنساند أبناءنا، ولنخفف عنهم، ولنترك لهم مساحة ليتعلموا ويخطئوا ويجربوا ويواصلوا الطريق.
فأبناؤنا يحتاجون إلى والدين يؤمنون بهم، لا إلى خوفٍ دائم من أن يكونوا أقل من الآخرين.
#منقوول
15
9
4
2August 29, 2026 2.8K 1