من مذكرات مهاجر مجاهد شهيد بعنوان: قهوة أمي
«أتمنى لو أني الآن بجانبك يا أبي.. أقبل رأسك وأتفقد صحتك وأتأمل شعراتك البيضاء التي تخفيها دائما بـ"الحناء" من أجل أن تحافظ على شبابك.
كان صباحي مع أبي مختلفا.. لا أزال أشمّ عَبقه في كل مكان.. كنت أعود إلى المنزل بعد صلاة الفجر فتستقبلني أمي بابتسامة ساحرة حانية.
كانت عادة أمي الاستيقاظ قبل السحر فتصلي ما شاء الله لها أن تصلي؛ حتى إذا قارب انفلاق الصبح أيقظتنا واحدا تلو الآخر.
كنت أتظاهر بالنوم العميق أثناء إيقاظ أمي لي، لا لشيء سوى أني أحب صوت أمي.. كانت تمسح على شعري وتلاطفني كطفل صغير حتى أستيقظ.
إذا استيقظ البيت ذهبت أمي لإعداد القهوة والشاي ووجبة الإفطار وذهبنا إلى المسجد.. إذا انتهت الصلاة عدنا إلى البيت وكان أبي آخر المصلين خروجا.
أحب أبي كثيرا ويحبني كثيراً.. كنت أنتظره كل صباح لأسقيه فنجانا من قهوة أمي، وأسكب مع ذلك الفنجان حبي ومودتي لأبي فيسقيني أسراره.
قهوة أمي لها مذاق آخر.. لم أجد قهوة تشبه مذاقها في كل مكان ولن أجد؛ لأن قهوة أمي تصنعها بيدها وكفى!
كان أبي كتوماً لا يفشي أسراره لأحد.. ومع احتساء فنجان القهوة كان يحكي لي كثيرا عن مواقفه ويتقاسم معي همومه ويقص علي قصصه...
كان هذا هو أفضل وقت يطيب لأبي فيه الحديث.. تغيبت عنه يوما فعاتبني كان يريدني دائما بجانبه أحمل عنه همّه ويبوح لي بأسراره التي لا يعرفها أحد.
كان أبي يحمل أسرارا كثيرة لم يكشفها، وكانت لحظات الصباح الأولى مع قهوة أمي كفيلة باكتشاف تلك الأسرار... أبي كان يبوح لي بأسراره.
حفظت لأبي أمانته أسرار أبي ثمينة.. ائتمنني عليها واستودعها في صدري وأبقيتها حينا من الدهر؛ حتى إذا هاجرت ألقيتها في بئر سحيق.
أما أمي فكانت تنشغل بإيقاظ الصغار وتمشيط شعورهم وإلباسهم وتفطيرهم وترتيب حقائبهم قبل الذهاب إلى المدرسة.. وكنا ننتظرهم ريثما ينتهون.
الكتمان متعب، والبوح يخفف الأتعاب... أشتاق إلى أسرار أبي التي كان يبوحلي بها؛ لا شغفا بأسراره بل رغبة في تخفيف ألم الكتمان عن أبي.
قامت سوق الجهاد الشامي واكتوى أهل الشام بنار الطغاة فتوجب النفير.. كنت أتلذذ بقهوة أمي وجلسة أبي لأني بدأت أشعر باقتراب لحظات الوداع.
كان حادي الركب يصيح بين الجوانح باللحاق بقوافل المهاجرين، ومحبتي لأبي ومحبته لي تجعلني في موقف صعب.. اتخذت قراري ووطئت على مشاعري،
كانت مصارحة والدي بالرغبة بالنفير فوق كل التصورات، والدي لم يتوقع أن أفارقه يوما واحدا ولحظة واحدة.. كانت نقطة مفصلية أتعبتني وأتعبت والدي،
في بداية الأمر ظن والدي أنني أمزح معه فوافق، بدأت أحزم أمتعة الرحيل فعلم والدي أن الأمر جد فكانت صدمة كبيرة لم يتوقع عشر معشارها !
لا زلت ألح على أبي.. ويقابلني أبي بالصدود.. أخذ يعدني بمستقبل مشرق كما يعد الآباء أبناءهم.. عروضه لم تُغير من موقفي.. أخيرا طلب أبي موافقة أمي،
مشاعر أمي كانت معي كل لحظاتي.. أتيتها وأمسكت يدها فقبّلتها، وقبل أن أتفوه بكلمة أخبرتني هي عن سبب مجيئي.. كانت خفقات قلبها تنبض مع قلبي أحسبها امرأة مؤمنة.. لم تصطدم برغبتي بل كانت تنتظر مني ذلك، كانت تحمل قلب أمّتها لا قلبها؛ لذا داست على مشاعرها وأحزانها وقدمت أمر ربها،
تحدثنا كثيرا.. وكانت جلسة وداع... طلبت منها موافقة صريحة؛ فطأطأت رأسها وقالت: لا أقوى على نطقها يا بني.. قبّلت رأسها وعدت إلى أبي.
أخبرت أبي برضى أمي؛ تحير كثيرا وصمت كثيراً.. ثم عاد إلى رفضه، كان يسألني كثيرا عن الجامعة والمستقبل والزواج...
كانت أمي ترتب معي حقيبة الرحيل، وكنت في محاولات طويلة مع والدي... قصصت تذكرة الطائرة ولم يبق على الإقلاع إلا بضع ساعات.
كان ذلك الصباح محاولة أخيرة مع والدي.. طلبته كثيرا وألححت عليه وكان قلبي يبكي من داخلي محبة له. فتح الله على قلب والدي وختم طلبي بصمت طويل،
أخذت رضى صمتياً من والدي بعد أن كدت أن أيأس، قبّلت رأسه ووضعت حقيبتي في السيارة.. قبل الرحيل ودعت أمي ولم تنزل منها دمعة واحدة
تركت لأبي قهوة الصباح... ولم تطب لي قهوة بعد قهوة أمي..
حالوا بيننا وبين أهلينا بالأسوار والحصون.. وجعلونا مجرمين.. ووعدونا بالسجون... وعند الله تجتمع الخصوم.»
مبكية.. تتزاحم في داخلي المشاعر ولا أجد كلمات معبرة تسعفني.. فتظل غصة عالقة.. تقبلك الله يا أخي.. تقبلكم الله يا إخوتي..
August 30, 2026 22