لما حان أن تُحمَل "أم إياس" إلى زوجها "الحارث بن عمرو" ملك كندة، خلَت بها أمها أُمامة بنت الحارث، وقالت تُوصيها:
أي بُنية! إن الوصية لو تُركت لفضل أدب تُركت لذلك منك، ولكنها تذكرة للغافل، ومعونةٌ للعاقل.
ولو أن امرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها وشدة حاجتهما إليها، كنتِ أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خُلقن، ولهن خُلِق الرجال.
أي بنية! إنك فارقت الجوَّ الذي منه خرجت، وخلَّفت العش الذي فيه درجت، إلى وكرٍ لم تعرفيه، وقرينٍ لم تألفيه؛ فأصبح بملكه عليك رقيبًا ومليكًا، فكوني له أمةً يكن لك عبدًا وشيكًا.
أي بنية! احملي عني عشر خصال تكن لك ذخرًا وذكرًا:
الصحبة بالقناعة.
والمعاشرة بحسن السمع والطاعة. والتعهد لموقع عينه، والتفقد لموضع أنفه فلا تقَعْ عيناه منك على قبيح، ولا يشمَّ منك إلا أطيب ريح. والكحل أحسن الحسن، والماء أطيب الطيب المفقود.والتعهُّد لوقت طعامه، والهدوء عنه عند منامه؛ فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة والاحتفاظ ببيته وماله، والإرعاء على نفسه وحشمه وعياله؛ فإن الاحتفاظ بالمال حسن التقدير، والإرعاء على العيال والحشم حسن التدبير ولا تعصي له أمرًا؛ فانك إن عصيت أمره أوغرت صدره.
ثم اتقي مع ذلك الفرح إن كان ترحًا، والاكتئاب عنده إن كان فرحًا؛ فإن الخصلة الأولى من التقصير، والثانية من التكدير.
وكوني أشد ما تكونين له إعظامًا، يكن أشد ما يكون لك إكراما وأشد ما تكونين له موافقة، يكن أطول ما تكونين له مرافقة.
واعلمي أنك لا تَصِلِين إلى ما تُحبين حتى تُؤْثري رضاه على رضاك، وهواه على هواك، فيما أحببتِ وكرهت، والله يَخير لك.
فَحُمِلَتْ فَسُلَّمَتْ إليه، فَعَظُم مَوْقِعُهَا منه، وولدتَ له الملوك السبعة الذين ملكوا بعده اليمن.
August 14, 2026 12.7K 189