وكأنَّ صاحبنا لم يقرأ القرآن يوما.
قال تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا}
وقال تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم}
في الآية أمر المملق الفقير أن ينجب ولا يقتل ولده، ولا إنجاب إلا بزواج، فهذا إذن ضمني بالزواج لمن كان فقيرا.
وتعهد برزقه بسبب الأبناء، فالزواج سبب رزق إذن، إذ لا إنجاب إلا بزواج أو تسري.
وقال تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ۚ إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ۗ والله واسع عليم}
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: "رغبهم الله في التزويج، وأمر به الأحرار والعبيد، ووعدهم عليه الغنى".
وهل يوجد أفقر من العبد؟
وقد زوج النبي ﷺ رجلا لا يجد إلا إزاره وقال: التمس ولو خاتما من حديد. وزوَّجه على ما معه من القرآن، ولم يقل له من أين ستطعمها.
وعاتب فقيرا تزوج بمهر عال، فقال ﷺ: "كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل".
وما نهاه عن أصل الزواج.
والرجل الذي وقع على امرأته في نهار رمضان كان أفقر أهل المدينة وما نهوه عن الزواج، وفي كفارة الظهار ذكر من لا يستطيع أن يطعم ستين مسكينا أنه يصوم وهذا حال الفقير، وفي متعة المطلقة قال سبحانه: {ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} ولا يطلق إلا المتزوج وجوز للمقتر الزواج وهو الفقير.
وأما الآية التي ذكرها فخطاب لمن لم يجد من يزوجه، وقال عكرمة في قوله: {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا} قال: "هو الرجل يرى المرأة فكأنه يشتهي، فإن كانت له امرأة فليذهب إليها وليقض حاجته منها، وإن لم يكن له امرأة فلينظر في ملكوت السماوات والأرض حتى يغنيه الله".
وهذا بعض معناها.
وسئل الإمام أحمد عن رجل يعمل خياطا وليس يتحصل إلا على قوته فقال: "يقدم على التزويج فإن الله يأتي برزقها وقال ويتزوج ويستقرض أيضا
وإن كان عنده مائتا درهم تبلغه الحج وخاف على نفسه الفتنة أمرته أن يتزوج ولا يحج" [مسائل صالح 204].
وقال التابعي إبراهيم النخعي: "تزوج فإن الذي كان يرزقها في بيتها هو يرزقها ويرزقك في بيتك" [تاريخ الدوري عن ابن معين].
وقال واصل، مولى أبي عيينة قال: "دخلت على محمد بن سيرين (التابعي الجليل)
فقال لي: هل تزوجت؟
قلت: لا، قال: وما يمنعك؟
قلت: قلة الشيء (يعني المال)
قال: تزوج عبد الله بن محمد بن سيرين ولا شيء له، فرزقه الله" [اعتلال القلوب للخرائطي].
فإن قيل: يا شيخ هذا كلام دراويش والدنيا تغيرت.
فأقول: الدراويش هم الحمقى الذين لهم سنوات طويلة وهم يتحدثون عن استقلال المرأة المادي وعملها ثم إذا تحدثوا عن الزواج جعلوا الحمل كله على ظهر الرجل، وكأننا نعيش قبل ستين سنة، فهم لا يريدون الاعتراف بأننا أمام منظومة هجينة تزيد الواجبات على الرجل وتقلل الواجبات على المرأة مع زيادة في حقوقها، وهذا ما يسمى "تمييز إيجابي" لصالح جنس على آخر، وهو أسوأ من المساواة المزعومة.
والدروشة أن تترك كل مظاهر الإسراف وغلاء المهور والإنفاق على الحفلات ومظاهر البذخ التي صارت في حكم الواجبات وتجلس تتحدث عن أهمية الملاءة المادية.
والدروشة أن تأتي في وقت كثرت فيه العوانس وظهر فيه العزوف عن الزواج، حتى صرنا نجد صعوبة في إقناع الشباب بالزواج في ظل المنظومة الحديثة، هذا مع سهولة الحرام، ولا يرى الطربوش الأزهري سوى ملاءة الرجل المادية باعتبارات مبالغ بها، دون مراعاة بين أحوال الناس المعيشية وقناعاتهم.
Forwarded fromقناة | أبي جعفر عبدالله الخليفي

2September 4, 2026 11