وهنا تظهر أهمية التوقيت: كلما تأخّر الدور المصري، ازدادت احتمالات تشكّل ترتيبات إقليمية جديدة من دون مشاركة مصرية مؤثّرة فيها.
إذاً يمكن الاستنتاج بأنّ التحرّك المصري لا يرتبط فقط بحماية السعودية والدفاع عنها بل يتعدّى ذلك لحماية موقع مصر وأمنها القومي والاقتصادي ودورها الجيوسياسي، وإذا كان الأمن السعودي واستقرار المملكة في الخليج يرتبط بالفعل بمصالح مصر مباشرة فإنّ القاهرة أيضاً تجد نفسها أمام فرصة لاستعادة دورها الذي غابت عنه لسنوات طويلة تحت ضغوط الاقتصاد والمال والاضطرابات على حدودها .
بين الدفاع عن السعودية والانزلاق لحرب مفتوحة والدور السياسي، تواجه مصر معضلة استراتيجية واضحة. فالدفاع عن السعودية قد يبدأ تحت عنوان حماية المنشآت والمجال الجوي والممرات البحرية، لكنه قد يتوسّع تدريجياً إلى المشاركة في عمليات عسكرية داخل اليمن، وهذا هو الفارق بين الدفاع عن دولة حليفة والانخراط في حرب إقليمية طويلة، وعليه فإنّ مصر ستكون أمام ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأول: تدخّل محدود ومضبوط
قد يقتصر الدور المصري على تقديم دعم دفاعي، أو تعزيز حماية الملاحة، أو المساهمة في منظومات الإنذار والمراقبة والتنسيق البحري، ومثل هذا السيناريو يسمح للقاهرة بإظهار التزامها تجاه السعودية، مع تقليل احتمالات التورّط في مواجهة برية واسعة. كما يتيح لمصر الاحتفاظ بمسافة سياسية عن تفاصيل الصراع اليمني الداخلي، الذي تتداخل فيه حسابات محلية وإقليمية معقّدة.
الاحتمال الثاني: التوسّع التدريجي في العمليات العسكرية
على الرغم من استبعاد هذا الاحتمال فإنّ الحسابات قد تتغيّر إذا تطوّرت الحرب إلى مستويات أكثر خطورة ممّا هي عليه الآن، أو توسّعت إلى مواقع أكثر حساسية، أو تعرّضت الملاحة في باب المندب للخطر . عندها قد تواجه القاهرة ضغوطاً للمشاركة في عمليات أوسع، سواء لتأمين الموانئ أو حماية خطوط الملاحة أو دعم القوات المناهضة للحوثيين.
غير أنّ التجربة اليمنية منذ عام 2015 تقدّم درساً مهماً: التفوّق العسكري لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية، كما أنّ توسيع العمليات قد يخلق خصوماً إضافيين ويطيل أمد الصراع. وقد أظهرت التطوّرات الأخيرة أنّ القوات الحوثية ما زالت قادرة على استهداف بنية تحتية حيوية رغم سنوات من الحرب والضربات العسكرية.
الاحتمال الثالث: التدخّل العسكري بغرض الوصول إلى حلّ سياسي
وهو الاحتمال الأكثر ترجيحاً في ظلّ انهيار الخيارات السياسية السعودية تحت ضغط العجز العسكري، فمن غير المستبعد أنّ التحرّك العسكري المصري بصبغة دفاعية يهدف إلى محاولة فرض الركون إلى الحلّ السياسي أو تحسين شروطه، إذا ما أخذنا بالاعتبار أنّ العلاقات المصرية الإيرانية بدأت تتحسّن في الآونة الأخيرة، ويمكن أن تؤدّي مصر دوراً محورياً في الوساطة إلى جانب إيران بعد أن تثبت حضورها على الأرض، ولا سيما أنّ واقع الميدان في الداخل اليمني وصل إلى حدود قريبة من الخارطة التاريخية للتقسيم الذي كان قائماً قبل إعلان الوحدة بين الشمال والجنوب، وأنّ تجاوز تلك الحدود سيفتح المجال لتغييرات جديدة ستعيد خلط الأوراق الإقليمية من جديد .
مخاطر التدخّل المصري
لا شكّ بأنّ التدخّل المصري الذي يفرضه الأمن القومي والاقتصادي والدور الجيوسياسي لمصر إلى جانب الواجب القومي الذي تفرضه علاقاتها مع السعودية لن يجعل مصر بمنأى عن المخاطر المحتملة، وكما أنّ هذا التحرّك يشكّل فرصة لمصر لاستعادة دورها التاريخي في الإقليم ودورها القيادي في العالم العربي، فإنه قد يشكّل فرصة لأعداء مصر أيضاً للتحرّك بالاتجاه المعاكس، خاصة إذا أخطأت القاهرة وتورّطت في الحرب على اليمن وتحوّل دورها المحتمل من الدفاع إلى المشاركة في العمليات العسكرية في الداخل اليمني.
وعليه فإنّ على مصر أن تضع في حساباتها وخاصة في ظلّ التحوّلات العالمية المتسارعة وما يحاك في الخفاء من خطط أنّ العديد من أعدائها يتربّصون بها، وعلى رأسهم “إسرائيل” وغيرها التي قد تجد تورّط مصر في هكذا معركة فرصة لتحريك جبهات أخرى محيطة بمصر من ليبيا إلى السودان وجنوب السودان والقرن الأفريقي وانتهاء بالملف الفلسطيني وسيناء، ولا نستثني المؤامرات التي تخصّ العبث بالداخل المصري، ولعلّ في حديث الرئيس السيسي عن الالتزام بالدستور وانتهاء ولايته في العام 2030 ما يشير إلى تحوّط استباقي لجبهته الداخلية.
وإلى جانب ذلك لا يمكن إهمال العبء الاقتصادي الذي يمكن أن يتسبّب به القرار المصري بالدخول في الحرب السعودية اليمنية خاصة أنّ الاقتصاد المصري ليس في أفضل حالاته.
والجانب الأخير الذي لا يمكن استبعاده على الرغم من ضعف الاحتمال بالوصول إليه متعلّق بالردّ اليمني على أيّ تورّط مصري في الحرب على اليمن، وما قد يتسبّب به من انعكاسات سلبية على الاقتصاد والداخل المصري، وحتى على الشارع المصري نفسه، وهو ما عبّر عنه رئيس البرلمان في صنعاء في رسالته التي وجّهها لرئيس البرلمان المصري والتي تضمّنت
118 أكتوبر 2026 92