اليوم هو السادس عشر من مايو… والساعة الآن الثالثه وأثنان وثلاثون دقيقة مساءً، التوقيت ذاته الذي رحلتِ فيه منذ عامٍ كامل، وفي هذا الوقت نفسه أريد أن أقول لك شيئًا ظلَّ يخنق صدري منذ تلك الليلة التي انطفأتِ فيها من حياتي.
بالرغم من رحيلك… خضعتُ لستة جلسات من العلاج السلوكي، وما زالت الجلسات مستمرة. أتعامل معكِ وكأنكِ السبب والدواء معًا. لم أفقد الأمل يومًا، فالعِلّة التي جعلتكِ تبتعدين عني أقسم أنني سأقهرها، فقط لأعود إليك شخصًا لا يرهقكِ، ولا يجعل قلبكِ يرتجف أو يهرب منّي.
لكن بعدك… الأيام صارت تمرّ كأنها شهور، والليالي صارت أطول مما يحتمله الإنسان. أشعر وكأن الحياة وضعت غصّةً في حلقي ثم تركتني أختنق بها وحدي. حاولتُ الهرب منكِ، لكن كلما أغمضت عينَيّ رأيتكِ، وكلما أغلقت أذني سمعتكِ… وحتى محاولة نسيانك كانت تعيدكِ إليّ بقسوة أكبر.
أتذكّر المقهى…
تلك الطاولة الخشبية الذي جلسنا عليها قبل أن تقع الكارثة، وفنجان القهوة الذي كان بخاره يلمس وجهي وأنا أحاول أن أرتّب لك كلماتي. أتذكر رائحة البنّ، ودفء الكوب بين أصابعي، والضوء الأصفر فوق رأسي، والصمت الذي كان يسبق حديثكِ كأنه نذيرٌ لا أفهمه.
كنتِ تنظرين إليّ بسهولة… بينما أنا كنت أقاوم رعشة داخلي، كأن روحي كانت تعرف أن هذه ستكون آخر جلسة نقتسم فيها شيئًا يشبه الدفء.
خرجنا من المقهى معًا…
مشينا كغرباء، رغم أننا كنا نحمل تاريخًا كاملًا من الضحك والبكاء والوعود. هذه المرّة… لم يكن لي الحق أن أمسك يدكِ، ولا حتى أن أعطيكِ نظرة حب واحدة. كنتِ تسيرين بجانبي وكأن الهواء بيننا جدار، وكأن كل خطوة نقوم بها تبتعد عن آخر خيط يجمع بيننا.
ثم…
اختفيتِ.
لم أركِ بعدها مرّة واحدة. وكأن العالم ابتلعكِ من أمام عيني، وكأن الطريق الذي مشيناه كان بابًا لمكانٍ لا أملك حقّ الدخول إليه.
كنتِ وطني… وكنت أظن أن الأوطان لا تخون.
هل تعلمين ما الشيء الوحيد الذي يمنعني من البكاء؟
أدويتي النفسية… تجعل دموعي ثقيلة، بطيئة، وكأنها تتعذّب قبلي قبل أن تهبط.
ومع ذلك يا صغيرتي سأقول لك الحقيقة:
حتى لو كنتُ مصابًا بعلّة نفسية، فإن كيمياء دماغي كانت تهدأ فقط عندما كنتِ معي. كنتِ العلاج الذي لم يعرفه الأطبّاء. وقد قلت لكِ إنني أستطيع أن أكون أبًا وحبيبًا وزوجًا، وأن ألبسك الخاتم في إصبعك البنصر، وأن أحميكِ من كل شيء، وأن أجعلكِ لا تحتاجين أحدًا غيري… لكن بالرغم من كل ذلك…
ذهبتِ.
ذهبتِ ولم تُلقِ لي بالًا.
وكأن كل شيءٍ كان قابلًا للاختفاء… في اللحظة التي قررتِ فيها أن تكوني آخر مرة أقع فيها بالحب.
10
9May 16, 2026 10.5K 14