لا أحتمل النظر إلى ما كتبته، كأنني أحدّق في جثةٍ تشبهني حدّ الفزع. الكلمات لا تروي، بل تحفر، وكل سطر يزيح طبقةً من الوهم ويتركني عاريًا أمام نفسي. الحقيقة هنا ليست قاسية فقط، بل مميتة؛ لأنها دقيقة، ولأنها تعرف اسمي. ذات مرة عثرتُ على جملةٍ مرمية على ورقةٍ متسخة، بخطٍ منكسر كنبضي، فعرفت أنني كتبتها في ساعة كراهية صافية: «كان همه الوحيد أن يضلّ عن نفسه، لأن الوصول إليها يعني الهلاك». لا أستعيد هذه العبارة، هي من تستعيدني، تقتحم رأسي دون إذن، وتضغط على صدري حتى يختنق الهواء.
كل ما أبعثه لك ليس حبًا ولا شوقًا، بل محاولة يائسة لتأجيل السقوط. رسائلي اعترافات رجلٍ يخاف الوجود ذاته، رجلٍ يختبر بقاءه عبر حبرٍ قابل للمحو. أتحقق فقط عندما أكتب، ومع ذلك أعلم أن مصيري هشّ إلى درجة أن موظفًا ضجرًا، في صباحٍ سيّئ، قادر على دفني في مجلدٍ منسي، وتكون نهايتي أرشيفًا باردًا لا يتذكرني. أعلم أن تفاصيل أيامي مملة، ثقيلة، بلا جمال، بلا تلك الجملة التي تُرضي قلب امرأة أو توقظه، فاعذريني؛ فهذا العراء هو كل ما أملكه، وهذه الفوضى هي طريقتي الوحيدة لأقول إنني لم أمت بعد.
سيأتي يوم لا أراهن فيه إلا على صمتك، يوم يصبح وجودي معلقًا بين يديك كشيءٍ قابل للكسر. لا لأنك المنقذة، بل لأنني تعبت من إنقاذ نفسي، ولأن الخسارة بين يديك تبدو أرحم من بقائي معي.
11
5May 13, 2026 6.8K 12