جهد المحقق الخفي
قال الميمني في مقدمة تحقيق كتاب المبرد «نسب عدنان وقحطان» -وكانت نسخة رديئة وذكر طرفا من خبرها ثم قال-:
«فلما وقفت عليها تحققت أن دون تصحيحها خرط القتاد، فألقيتها ورائي ظهريا، وأضربت عنها صفحا برهة من الزمان.
ثم إن الأستاذ زارنا في عليكره، وجرى معه ذكر الرسالة، وعزم علي في تصحيحها، فأبديت له عذري، وأنى لي أن أخوض في عبابها وأتمكن من ردها إلى الأصل إلا بعد مكابدة الأمرَّين..
ولما صحت عزيمتي هذا العام (١٣٥٥ هـ) على الرحيل إلى البلاد العربية بادرت إلى تصحيحها لأقدمها لُهْنة للشداة، فكابدت لها ما كابدت من عناء مُعن، في الفحص عن أسماء البطون والأفخاذ في دواوين العلم الحاضرة، حتى توفقت إلى ردها إلى أصلها بقدر الجهد والطاقة، غير كلمات يسيرة، لا يضرك جهلها، كما لا يزيدك فضلا علمها..
فجاء ولله المنة كتابا خلا من شوب التصحيفات، وصفا مورده من الأكدار، لم يرد مصححه أن يعزو الفضل لنفسه، ويجلب النار إلى قرصه، فلم يذكر مما يوجد من مئآت الأغلاط شيئا، ولم يسرد جريدتها ضنا بعمر القارئ أن يضيع فيما قد كفاه مؤونته».
«بحوث وتحقيقات» ٣٢٩/٢.
وقد يبحث ويراجع عدة كتب؛ ليتأكد من كلمة شك فيها؛ فإذا اطمأن تجاوز إلى ما بعده، من غير أن يرى القارئ أثرا لذلك!
وكم من جهد بذله المحققون في المقابلة والتصحيح والتأمل في المواضع المشكلة والطمس والتآكل .. في نسخ رديئة؛ أخرجوها خالصة من الأكدار بأبهى الحلل!
فجزى الله كل محقق أخلص وبذل وأحسن خير الجزاء وأفضله.
وكل عامل في نشر العلم النافع للناس.
Forwarded fromقناة عبدالرحمن السديس
September 10, 2025 340