في مدينة أصفهان، حيث تتزاحم مجالس العلم وعظماء العلماء، كانت هناك… — حب الامام الكاظم عليه السلام يجمعنا — TG.ME

في مدينة أصفهان، حيث تتزاحم مجالس العلم وعظماء العلماء، كانت هناك رابطة استثنائية تجمع بين أستاذ وتلميذه. الأستاذ هو العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي (صاحب الموسوعة الحديثية "بحار الأنوار")، والتلميذ هو السيد نعمة الله الجزائري (صاحب كتاب "الأنوار النعمانية").
​في أحد الأيام، وبينما هما يتذاكران أحوال الآخرة وأهوال عالم البرزخ، جرى بينهما عهدٌ عجيب لاتصاله بعالم الغيب. اتفقا على أنه أيّ منهما يسبق الآخر إلى الموت، يأتيه في عالم الرؤيا والمنام ليخبره بما جرى عليه: كيف كانت سكرات الموت؟ كيف حضره ملك الموت؟ وماذا رأى أثناء غسله وتشييعه حتى لحظة نزوله في قبره؟
​ومضت الأيام، وحان الأجل المحتوم.. توفي العلامة المجلسي بعد عمرٍ حافل بطلب العلم والتأليف. خيّم الحزن والوجوم على أصفهان كلها، وأُغلقت الدكاكين وعُطّلت الأسواق حزناً على رحيل هذا العالم الجليل.
​شيّعت الجماهير الجثمان في مشهد مهيب، وكان السيد نعمة الله الجزائري يتقدم الباكين على أستاذه. وبعد انتهائه من العزاء، ظلّ السيد الجزائري يتذكر العهد الوثيق الذي بينهما، فكان يأتي ليلائم القبر، يصلي عنده حتى الفجر، منتظراً أن يفي أستاذه بالوعد ويأتيه في المنام.
​مرّ الأسبوع الأول.. ثم الأسبوع الثاني.. ولم يَر أستاذه! وبدأ الشوق والانتظار يثقلان كاهله.
​في الليلة العشرين، وبينما السيد نعمة الله مستغرقٌ في نومه، فُتحت حجب المنام، وإذا به يرى أستاذه العلامة المجلسي يبتسم له!
​ابتدره السيد نعمة الله بلهفة وسأل:
​"يا مولانا! لقد وعدتني أن تأتيني وتخبرني بما يجري عليك، فلماذا تأخرت عليّ عشرين يوماً؟"
​أجابه العلامة المجلسي:
​"يا بني، الأمر ليس بيدي! لم يُأذن لي بالظهور والحديث إلا الليلة."
​ثم أردف الأستاذ يروي لتلميذه دقائق الرحلة إلى الدار الآخرة:

​"اعلم يا نعمة الله، أنني لما حضرني الموت، نزلت بي سكراتٌ وآلامٌ مبرحة لا تُوصف، شملت جسدي من أطراف قدمي حتى صدري وحلقومي، فلم أطق شدتها. فتوسلت إلى الله جلّ وعلا قائعاً: (الهي! إنك قلت: ﴿ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾، ارحمني بالمصطفى وآله).
​وفجأة.. دخل عليّ ملك الموت برائحة طيبة وجهٍ مبتسم، ووضع يده على قدميّ وصار يمررها صعوداً، فكلما مرت يده على عضو سكن ألمه، حتى استلّ روحي براحة ويسر.
​خرجت روحي من جسدي ووقفت في زاوية الغرفة، ورأيت أهلي وأولادي يبكون ويلطمون، فصرخت فيهم: (يا أهلي، لقد استرحتُ فلا تبكوا!)، لكن لا أحد كان يسمعني!
​ثم شهدتُ غسلي وتكفيني وتشييعي، وكنت أسير مع الموكب مشاهداً جثتي التي عاشرتها ثمانين سنة، حتى وصلنا القبر.. فلما أدخلوا جسدي فيه، وجدتُ روحي تنجذب وتسكن في القبر معه، وأهال الناس عليّ التراب وانصرفوا جميعاً.
​وواصل العلامة حديثه العجيب:
​"لما بقيتُ وحدي في ظلمة القبر وأخذتني الوحشة، جاءني النداء الإلهي:
(يا محمد باقر! ماذا أعددت لهذا اليوم؟)
​بدأتُ أعدّ أعمالي، قلت: كتاب بحار الأنوار، مؤلفاتي، صلاة الليل، صلاة الجماعة.. فقيل لي: (لا، ليست هذه!). فداخلني الخوف وقلت: (إلهي، ليس عندي شيء!).
​وفجأة.. ذُكّرتُ بحدثٍ نسيته! يوماً ما كنتُ راكباً دابتي في السوق، فرأيتُ كسبةً يحيطون برجل فقير ويوسعونه ضرباً، فسألتهم عن السبب، فقالوا: (إنه دينٌ عليه ولم يدفعه). فقلت لهم: كم دَينه؟ قالوا: 200 دينار. فقلت: (اتركوه والدّين عليّ)، وأخذتهم إلى بيتي وأعطيتهم حقهم وحميتُ ذلك الإنسان من الهوان والضرب.
​فقيل لي حينها: (هذا العمل هو الذي نفعك وأنقذك اليوم!)، وبسببه أكرمني الله بالقصر والجنان."
العبرة
قد ينجي المرء عند الله عملٌ بسيط يخالطه إخلاصٌ ورحمة بعباد الله، أكثر مما تنفعه ظواهر الأعمال. فلنحرص على قضاء حوائج الناس وإدخال السرور على قلوبهم، فذاك هو الزاد الحقيقي ليوم لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون.
❤12
August 17, 2026 259