إحدى التقاليد أن يلتفت المرء إلى عامه الماضي.. ويقلّب أحداثه.. لا أستطيع أن أسمي التفاتتنا هذه المرة "التفاتة".. لأنها لن تكون شيئًا خاطفًا أمرّر من خلاله أحداث العام الماضي خلال لحظات.. أحداث العام الماضي تستحق الوقوف الطويل.. والتفكّر والصمت العميق.. إذ ربما يكون أكثر عام قد غيّر في نفسي وقلبي.. السنة الأولى من الالتحاق في مشفى حلب الجامعي ليست كأي سنة..
سنة تعلم فيها الإنسان كيف يسهر الليالي وهو يجري بين أسرّة المرضى في الأجنحة والإسعاف.. سنة عرف فيها أنه قد عاش في قوقعة جميلة هادئة في الماضي.. وأنه اليوم عليه أن يعيش في مكان صاخب مزدحم سريع.. ولكن دون أن يترك هذا المكان الصاخب المزدحم السريع يحطمه أو يغيره.. بل عليه أن يسعى هو لتغييره.. وأن يسعى لتطبيق كل ما يحمله من إيمان وقيَم في هذا المكان..
سنة تراوح فيها قلبه بين القسوة والرقة.. يقسو ليحتمل التعب والإرهاق.. يقسو عندما يُشغل عن أوراده.. ولكنه يرقّ كلما رأى ألمًا وحزنًا.. ينظر طويلًا في عيون كل محزون.. يراقب كل مكلوم.. يتمثّل أحزانَ كل كئيب.. ويمضي حاملًا في جعبته كل هذا الأسى.. ودموعًا على أعتاب جفنيه يسقطها خلسةً حين لا يراه أحد..
سنة كان المرء يتهيّب دخولها.. وقد ظن طويلًا أن لا يقوى على احتمالها.. فإذا به يفاجَأ بإعانة الله له.. وتقويته إياه حتى بات أقوى مما كان يمكن أن يتخيل..
سنة مصبوغة بأكملها بفضل الله وتلمُّس لطفه وعطائه.. قد عاش فيها إلى جانب تجربة المشفى شظايا من تجربة الحرب والتهجير.. غادر بيته وعاد لبيته الآخر.. نام في أماكن غريبة.. بكى في أماكن كثيرة.. ثم تنفس الصعداء.. رأى من الوجوه ما يعجز الآن عن تذكاره وتعداده.. لكنه يرجو أنه ترك فيهم من الخير والأثر ما يلقى جزاءه الحسن..
كم أسند في هذا العام رأسه على زجاج الحافلة.. وتنهّد.. ثم ابتسم.. يشعر بكل جوارحه.. أن الله معه.. ♥️
57
2June 12, 2026 1.9K 9