حاول يافع كبح جماح غضبه. فرَّغ بقية الأكياس، ووضع كل شيء في مكانه، ثم… — روايات لَامْ — TG.ME

. . .   حاول يافع كبح جماح غضبه. فرَّغ بقية الأكياس، ووضع كل شيء في مكانه، ثم قرر أن يعد العشاء؛ فالمطبخ كان يخلو من المكونات الرئيسية طوال النهار، ولذا لم تطهُُ أمجاد وجبة للغداء. أخرج الدقيق، الملح، والخميرة، وبدأ يعجن. ومع كل حركة يضغط بها على العجين، كانت آخر ذرةٍ من صبره تتلاشى. كان ينتظر لحظة صمت واحدة تجمعهما ليجبرها على الكلام، ولكنها عنيدة، متصلبة، بشكل تجاوز الحد! شعر بأنه سيجن، عندما أدرك أنه لم يسمع صوتها منذ ثلاثة أيام! تتلو مع المذياع منذ عشر دقائق، لكنها لم تصدر صوتًا؛ كانت شفتاها تتحرك وحسب!   بـحركة خاطفة وحاسمة، فصل المذياع. التفتت أمجاد فور انقطاع الصوت، نظرت إليه بحدة، ولكنه لم يرَ نظرتها، كان مستغرقًا في العجن، متجاهلًا ردة فعلها. تحركت نحو الجهاز، أعادت وصله، وأخذت تضبط المؤشر بـأصابعها الدقيقة حتى صفا التردد، واختفى التشويش؛ ظنت أن صوت التشويش هو ما أزعج يافع -رغم أنها كانت تراه صافيًا-.   استفزه إصرارها على معاكسته، فترك عجينته، وراح يفصل المذياع مرةً أخرى. هنا تأكدت أنه يريد "التنكيد" عليها ليس إلا. أوشكت أن تصرخ عليه: "خييير!"  لكنها تمالكت نفسها.   عندما عاد ليجلس في مكانه، اتجهت نحو الجهاز، ووصلته مرة أخرى، ولم تغادر هذه المرة. ظلت واقفة بجانبه، مصلتةً قامتها، تنتظر أن يواجهها بأسباب تسلطه على مذياعها، قبل أن يجرؤ على فصله مجددًا.   قام من مكانه والشرر يتطاير من عينيه، لم يفصله، بل سحبه من تحت يديها ورماه على الأرض بكل قوته، وصاح مزمجرًا: -أزعجتينا!   أفزعها؛ كانت ردة فعله صادمة، مفاجئة، مروعة، وغير متوقعة. تبخر صمتها، رمقته بنظرة تقريعٍ حادة، ثم قالت مستنكرةً: "مريض أنت؟ فيه أحد ينزعج من القرآن!"   أخذته العزة بالإثم، فهز رأسه قائلًا بحدَّةٍ وفظاظة: - إيه، أنا…   اتسعت حدقة عينيها، ولم تتردد بتأنيبه: -قول ودي بهدوء، ودي ما أسمع صوت... قول أذني توجعني، قول رأسي مصدع...  الواحد يحترم كلام الله وكتابه، وينتقي ألفاظه، وحتى بعد ما ينتقيها يستغفر الله، ويتوب، ويحس بتأنيب الضمير! وأنت؟ أعوذ بالله منك.   قبض على ردائها من جهة صدرها، وشدَّه بعنفٍ  حتى أوشك أن يقطعه، ثم قال وأسنانه تصطك ببعضها: -ما شاء الله أشوف طلع صوتك! عندك لسان يقرأ بس ما عندك لسان تردين به عليّ. هاه! يوم أكلمك تردين عليّ الصوت فاهمة؟   كانت ترجف بين يديه، ولكن بقدر فزعها كانت متجلدة، حاولت إفلات نفسها منه، قالت بصوتٍ خفيض وهي تحاول دفعه: - خنقتني، فكني! ولكنه شدها أكثر حتى التصق أنفها بأنفه. لم تحتمل، فسحبت أقرب شيء منها... كانت علبة الدقيق، الزجاجية، الثقيلة، التي أخذ منها يافع لإعداد عجينته، ثم تركها على الطاولة، ولم يُعدها إلى مكانها. أمسكت بها، وبكل ما تملك من قوة، رمتها نحو الأرض مستهدفةً قدميه.   أحدث الزجاج انفجارًا مدويًا، وتطاير الدقيق كـسحابة بيضاء اختلطت بـشظايا حادة جرحت أقدامهما، إلا أن قدم يافع نالت النصيب الأكبر من الضرر. تألم، فاستشاط غيظًا، وقبض على يدها التي رمت الوعاء؛ قبض عليها بـعنف، وعصر أصابعها الأربع داخل كفه بقسوة مفرطة.   تمتمت والدموع تحتقن في مقلتيها: -"يدي.. يدي.. يدي" فاضت الدموع من عينيها من شدة الألم، وضعت يدها الأخرى فوق قبضته الغليظة تحاول زحزحتها، وصاحت مستنجدة، وصوتها يتقطع: "يافع يدي.. يافع فكني، أوجعتني.. بتكسر أصابعي! " لكنه، في عمى غضبه، لم يترك يدها حتى شعر بأنه كسر أحد أصابعها بالفعل.   ظنت أمجاد أن ذلك الوجع الحاد نبع من شدة الضغط فحسب، ولم تدرك في تلك اللحظة أن عظمة صغيرة في يدها قد انكسرت بالفعل. أفلتها، فخرجت من المطبخ مُسرعةً، تداري يدها المصابة والدموع متحجرة في عينيها. بينما وقف يافع وسط ركام الزجاج والدقيق للحظات، ثم التفت نحو الطاولة بـبرود آلي، وأكمل إعداد عشاءه، والدماء تسيل من قدميه...   . . .

❤7🤯5
September 1, 2026 184 2