. . . عودةً إلى أمجاد مرت بضع ساعات حتى سمعت أخيرًا صوت باب البيت وهو يُفتح، ثم يُغلق. بقت في مكانها. لم تنهض، ولم تندفع نحو الباب، ظلت مستلقية على السرير تستمع إلى وقع خطواته. دار المفتاح في القفل، ثم انفتح الباب ببطء. أطل برأسه عليها، فنظرت إليه بجمود. لم يتكلما. استمر الصمت بينهما لحظةً، قبل أن تشيح بوجهها عنه بترفّع، وتنهض. مرت بمحاذاته دون أن تنظر إليه، وخرجت من الغرفة. لم يحاول إيقافها، بدل ثيابه، ثم خرج، وجلس أمامها في غرفة المعيشة. التقت عيناهما ثانيةً، لم تسأله لِمَ تأخر، ولماذا فعل ما فعل. أشاحت بوجهها عنه مباشرةً، ونهضت متجهة إلى المطبخ، دون أن تقول كلمة واحدة. استدار نحوها وتبعها بعينيه، ثم تبعها بخطواته. يجب أن يجد مدخلًا يلج منه ليبرر موقفه. وقف على باب المطبخ، ثم سألها محاولًا سبر غورها: — ما ودك تقولين شيء؟ التفتت إليه. كانت ملامحها مشدودة منذ ساعات، وعيناها تحملان عتبًا حادًا: — أنت اللي ما ودك تقول وش فيك؟ أجابها منكرًا: — ما فيني شيء. وأردف: — أنتِ اللي فيك... ليش مطلعة ملابسك اليوم؟ ساد الصمت لحظة. نظرت إليه تحاول أن تستوعب أنه ما زال عالقًا عند النقطة نفسها... لا يعقل! ردت بتهكم: — مدري! يمكن عشان أبعثر الغرفة. — شفتي! ما زلتِ ما تبغين تجاوبيني. لم تحتمل أمجاد هذا العبث، فصاحت بوجهه: — أجاوبك على أييش؟ على أيش أجاوبك! قاعدة أطبق وأرتب ملابسي ماني فاهمة وش اللي مزعلك! وأردفت بمرارة: — تدري؟ الشرهة ماهي عليك، الشرهة عليّ.. يوم توقعت منك توضيح وتبرير واعتذار. حاول أن يرمم الموقف بتوضيحٍ وتبريرٍ واعتذار، لكن، وقبل أن ينطق بحرف، ارتفع رنين هاتفه من جيبه. رنين متواصل، حاد... سحب الهاتف بآلية، أراد أن يلقي نظرة خاطفة على اسم المتصل، ثم يعيد الهاتف إلى جيبه، ولكن عينيه لم تتزحزح عن الشاشة. سرت رجفة في أنحاء جسده عندما قرأ اسم جدِّه؛ الاتصال الذي كان يتوجس منه طوال الساعات الماضية... يرن الآن! عرف أن حمّاد كان يعني ما يقول، وجده علم بتسريب البيانات، وحانت لحظة المحاسبة، لتصرفه الأخرق. سخط جده، تقريعه، وربما قرار طرده وفصله من العمل... كل ذلك كان ينتظره خلف هذا الخط. زاغت عيناه بين شاشة الهاتف وبين عيني أمجاد التي تراقب اضطرابه بريبة. وبدل أن يواجه عاصفتها، أو ينطق بكلمة اعتذار واحدة تلم شعث قلبها، استدار، وخرج من المطبخ بخطوات شبه هاربة، متجهًا للخارج؛ ليجيب على الاتصال، بعيدًا عن مسامعها. وقفت في مكانها، تتابع خطواته المتعجلة وهو يبتعد عنها، بذهول تحول سريعًا إلى قهر حارق تغلغل في صدرها. كيف يتركها هكذا؟ كيف ينسحب في ذروة عتبها وغضبها دون أن يرف له جفن؟ تملكها شعور مخزٍ بالمهانة؛ حبسها لساعات، ولم يبرر تبريرًا واحدًا منطقيًا كان أو غير منطقي، لم يوضح سببًا واحدًا يُعلل فعلته، حتى اعتذارًا صغيرًا من ثلاث حروف لم يكلف نفسه عناء نطقه! أدار ظهره ولحق بنغمة الهاتف ببساطة! ما الذي يمكن أن يكون أكثر أهمية من إصلاح ما أفسده بينهما؟ لا شيء. كانت تنتظر تبريرًا واحدًا، فصارت تنتظر اثنين.. وبدل الاعتذار، اعتذارين. . . .
10
1