البخل… حين تخاف على ما في يدك أكثر مما تثق بمن أعطاك إياه أحيانًا لا يكون البخل أن تملك كثيرًا ولا تعطي، بل أن ترى حاجة أخيك، وتملك القدرة على مساعدته، ثم تقول في داخلك: «وماذا عني؟». وقد يكون البخل أن تعرف حقًا لله في مالك ثم تؤجله، أو تملك علمًا ينفع الناس فتحتكره، أو تملك وقتًا فلا تمنحه لمن يحتاجه. والقرآن لا يعالج البخل باعتباره مشكلة مالية فقط، بل يكشف لك مرضًا أعمق: مرضًا في نظرتك إلى النعمة. قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 180]. تأمل قوله تعالى: ﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾. المال الذي تبخل به… الله هو الذي أعطاكه. والنعمة التي تخاف عليها… الله هو الذي ساقها إليك. ثم يأتي الإنسان فيتصرف وكأنه المالك المطلق لها. وهنا يبدأ الوعي القرآني: حين تنسى أن النعمة من الله، تبدأ في الخوف عليها أكثر من خوفك من الله. ولهذا لم يقل القرآن فقط: لا تبخل، بل صحح الفكرة التي خلف البخل: ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾. أنت تظن أن الإمساك يحفظ مالك. والقرآن يقول لك: قد يكون الشيء الذي تظنه خيرًا لك هو نفسه الذي ينقلب عليك. ثم يكشف القرآن مرحلة أخطر من البخل. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء: 37]. لاحظ. لم يكتفِ البخيل بأن يمنع نفسه من الخير، بل قد يتحول إلى شخص يزرع البخل في الآخرين. يقول: «لا تتصدق كثيرًا، احتفظ بمالك، أنت أولى به، ومن يضمن لك الغد؟». وهكذا لا يعود البخل خلقًا في شخص واحد، بل يصبح ثقافة تنتقل من إنسان إلى إنسان. ثم يأتي القرآن ليكشف خوف البخيل من المستقبل. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: 8-10]. وهنا سؤال مخيف. ماذا لو كان الشيء الذي تفعله لتحافظ على مستقبلك… سببًا في تعسير مستقبلك؟ أنت تمسك المال خوفًا من الفقر. والقرآن يذكرك بوعد الله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: 39]. المشكلة إذن ليست في المال وحده. المشكلة في الثقة. كم من إنسان يثق بحسابه البنكي أكثر مما يثق بوعد الله. والبخل ليس دائمًا مالًا. قد تكون بخيلًا بمالك، أو بوقتك، أو بكلمتك الطيبة، أو بمعلومة نافعة، أو بالعفو، أو بالمشاعر، أو بالجهد الذي تستطيع أن تبذله في إصلاح ذات البين. ولهذا فإن البخل في صورته الأوسع: أن تمنع خيرًا تستطيع بذله في موضعه. والقرآن يذهب إلى أعمق من البخل حين يقول: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: 128]. ويقول: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]. تأمل. لم يقل فقط: من يوقَ البخل، بل قال: ﴿شُحَّ نَفْسِهِ﴾. لأن القضية أعمق من اليد. إنها قضية نفس تريد أن تأخذ وتخاف أن تعطي. ولهذا جعل القرآن النجاة من الشح فلاحًا. كأن القرآن يقول لك: ليست البطولة أن تجمع أكثر. بل البطولة أن تتحرر من عبودية ما تجمع. والآن. لا تبحث عن البخيل فيمن حولك. ابحث عنه في نفسك. هل هناك حق لله تؤخره؟ هل هناك قريب يحتاجك وتستطيع مساعدته؟ هل تملك علمًا نافعًا وتكتمه؟ هل تستطيع أن تتصدق، لكن خوفك من المستقبل يمنعك؟ هل أصبحت تقول كثيرًا: «ماذا سيبقى لي؟» ولا تسأل: «ماذا قدمت لله؟» تذكر. المال الذي تمسكه سيمضي. والمال الذي تنفقه في الخير لا يضيع. والنعمة التي تخاف عليها من النفاد قد تكون في حقيقتها اختبارًا لك. هل سترى فيها عطية من الله أم ملكًا لك وحدك؟ فلا تجعل خوفك من الفقر يمنعك من الغنى بالله. ورب مال جمعته يدك، ثم صار يوم القيامة قيدًا في عنقك. ورب مال أخرجته يدك، فصار لك عند الله ذخرًا لا يفنى. فانظر إلى يدك قبل أن تغلقها، واسأل قلبك: هل أنا أحفظ مالي… أم أن مالي يحبسني عن الخير؟ 📖 اقرأ القرآن… لا لتعرف الآية فقط، بل لتعرف نفسك من خلالها.
البخل… حين تخاف على ما في يدك أكثر مما تثق بمن أعطاك إياه أحيانًا لا… — نايف بن نهار | بودكاست |صوتيات — TG.ME
August 20, 2026 1.4K 15