﴿إِنَّ الَّذينَ تَعبُدونَ مِن دونِ اللَّهِ لا يَملِكونَ لَكُم رِزقًا فَابتَغوا عِندَ اللَّهِ الرِّزقَ﴾
كم يتعب القلب حين يفتش عن رزقه في وجوه الناس، ويراقب الأسباب من حوله؛ فإن أقبلت اطمأن، وإن اضطربت اضطرب معها، كأن الرزق يقيم في هذه الأسباب.
نقل الرازي عن الزمخشري في تفسير هذه الآية التي قدمناها لفتةً تجعل الإنسان يقف أمامها طويلًا؛ فقد جاءت كلمة ﴿رِزقًا﴾ نكرةً في سياق النفي، أي إن غير الله لا يملك لك رزقًا واحدًا، ولو كان أقل القليل، ثم جاءت ﴿الرِّزقَ﴾ معرّفةً عند إثباته لله، أي إن الرزق كله عند الله سبحانه.
ولهذا قال ابن كثير إن تقديم ﴿عِندَ اللَّهِ﴾ هنا «أبلغ في الحصر»، وشبّهه بقوله تعالى: ﴿إِيّاكَ نَعبُدُ وَإِيّاكَ نَستَعينُ﴾؛ فالقضية ليست مجرد دعوة إلى سؤال الله، وإنما تنقية للقلب من أن يرى مالكًا للرزق سواه.
فتنزع الآية من قلبك آخر أوهامه؛ فلا شيء من رزقك يملكه من الخلق أحد، وكل ما كُتب لك من عند الله سبحانه.
ثم تبقى كلمة ﴿عِندَ﴾ وحدها قادرةً على أن تملأ القلب سكينة؛ فقد رأى ابن عاشور أن الآية تصوّر الرزق كشيء يُبحث عنه في المكان الذي يختص به، فكأن كل رزقٍ ترجوه قد دلّك الله على موضعه قبل أن تعرف طريقه: إنه عنده.
والتمس السعدي من الآية تفسيرًا أعمق من حاجة الجسد إلى القوت، فيقول: «القلوب لا بد أن تطلب معبودًا تألهه وتسأله حوائجها». فالإنسان حين يطلب رزقه لا يحمل همّ المال وحده، بل يحمل حاجته إلى من يأوي إليه بعجزه؛ فإن وزّع هذه الحاجة على الخلق أرهقوه، وإن جمعها عند الله اجتمع قلبه بعد تشتته.
وأكثر ما يرهقنا أننا لا نكتفي بأن نوقن أن الله سيرزقنا، بل نريد أن نعرف كيف، ومن أين، ومتى، فإذا خفيت علينا الطريق ظننا أن الرزق نفسه قد غاب، مع أن جهلنا بالطريق لا يعني غياب ما عند الله.
ولهذا فسر القرطبي هذه الحالة التي يمر بها الانسان فقال: «اصرفوا رغبتكم في أرزاقكم إلى الله»؛ نسعى بين الأسباب، لكننا لا ننقل قلوبنا إليها، ونطرق الأبواب دون أن نظن أن أرزاقنا خلف واحدٍ منها، فما كان سببًا اليوم قد لا يكون سببًا غدًا، ويبقى الرزق حيث كان دائمًا: عند الله.
ومع هذا اليقين لم يفهم العلماء من الآية قعودًا عن الأسباب؛ فالطبري فسّر ﴿فَابتَغوا﴾ بقوله: «فالتمسوا عند الله الرزق»، ونبّه ابن خلدون إلى أنه «لا بد في الرزق من سعي وعمل». فالسعي نفسه جزء من معنى الآية، لكن القلب وهو يسعى لا يتوهم أنه يخلق النتائج، ولا يجعل طمأنينته معلّقةً برؤية الطريق.
ووضع ابن تيمية هذه الآية في أصل الإخلاص والاستعانة، وقال إن معناها أن «يقطع العبد تعلق قلبه من المخلوقين انتفاعًا بهم أو عملًا لأجلهم، ويجعل همته ربه تعالى». لم يقل أن يقطع صلته بالخلق أو يترك الأسباب، وإنما يقطع ذلك التعلق الذي يبدد قلبه بينهم؛ فيبقى سعيه في الأرض، وتبقى همته عند الله.
فهدأ قلبك وكف عن السؤال: من أين سيأتي؟ وكيف سيأتي؟ ومتى سيأتي؟ واستقر على يقين واحد.
﴿فَابتَغوا عِندَ اللَّهِ الرِّزقَ﴾.
محمد جاد
1September 3, 2026 120 4