شكة دبوس - pinprick: post #2280 — TG.ME

إدارة اللذة.
نقمة الوفرة VS نعمة المنع.

إن الله قد أحسن للإنسان إحسانًا عظيمًا لمَّا حرَّم عليه الأشياء.
إنه جل وعز صانع هذه الآلة البشرية، ويعلم أنها تنعم نعيمًا لا حد له "بالمنع".. وتشقيها شقاءً لا حد له "الوفرة"

"ولو بسط الله الرزق لعباده لَبَغوا"
من نِعم الله علينا أن جعل الحاجة والافتقار جزء من تكويننا، لو بسط لهم الرزق، وجعل كل شيء متاحًا لأصابتهم لعنة الـ Hedonic Adaptation التكيُّف اللذائذي، لأن الإنسان يملك نظاماً للمكافأة Reward System جهاز يرتبط بالمدخلات ليُفرز كمًا دوبامينيًا يناسبها ويناسبك.. فلو أنك تستمتع بكوب شاي ساخن قد انغمس فيه فرع نعناعٍ يانعٍ على مقهىً شعبيٍ والمذياع يصدح بصوت الست.. فإن نظام المكافأة يُسجل معادلة عبقرية ليُفرز لك كمًا مدروسًا بعناية لدوبامين اللذة؛.. وهذا الجهاز يراقبك فإذا رآك تعتاد هذه الجلسة فإنه يُخفض جرعة المكافأة تبعًا لنظرية التحمل العصبي Tolerance وبعد شوية وقت معادتش القعدة ده بتديك نفس السعادة، فيصير أمامك طريقان:-
الأول: أن تطوِّر شيئا يُعيد اللذة لدرجتها، صُحبة مختلفة، أو activaty مختلف فقط لتحصل على نفس الكم القديم.
والثاني: أن تُدير تلك اللذة بأن تمنعها، فلا تعود للمقهى إلا مرة في الشهر، فينسى جهاز المكافأة الجرعة التي كان يُفرزها هاهنا ويعاد له ضبط المصنع.

افرد لي بقى المثال ده على مستوى أكبر في كل حياتك، تجد أن اعتيادك الشيء مهما كان = يُفقدك اللذة به.. فالذي يقطن في قصرٍ على هضبة كلها خضارٌ، ونهر فراتٌ عذبٌ ماؤه، ونساءٌ حِسانٌ فإنه لا يشعر بأيٍ مما ذكرتُه لك لاعتياده إياه، ويظل هذا المسكين يطلب المزيد مما لا تناله يده.. حتى "يبغي" فيطلب شذوذات الأشياء؛ ذلك أن الأشياء الطبيعية كلها لا تُنبه نظامه المكافئي.. ولا شيء يستحث دوبامين اللذة عنده.. فإذا ما انتهت كل الشذوذات صار مكتئبًا مريضا حتى يموت أو يُميتَ نفسه.
الشبع المادي يؤدي إلى الجوع الشعوري.

﴿كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾
الاستغناء يُحطم إنسانيتك ويُفسد تذوَّق المُتع؛ وقد راعى الله تعالى نظامنا الداخلي في أعظم شهوة بشرية: شهوة الجسد.. فتراه يُغلق عليك الزنا؛ ثم يبيح لك الوطء في إطار واحدٍ فقط "الزواج" وحتى تصل إلى هذا الإطار فإنك تمُر بمراحل كل مرحلة فيها تراعي نظام مكافأتِك.. يبدأ الأمر بالخِطبة التي فيها لا يجوز لك أن تلمس الفتاة.. عايز بقى تحضن وتمشي ماسك إيديها في الشارع … ننتقل لدرجة العقد الذي يحل لك أن تلمسها ولا تختليَ بها خلوة كاملة .. ازداد تحرقك لاتصال جسديٍ كامل ننتقل لمرحلة البِناء "الزواج الكامل" أجاز الله لك فيه كل شيء إلا جماع الدُبر.. وعمل لك رمضان كل سنة ومنعك الصبح من الاتصال الجسدي الكامل علشان يفكر نظامك المكافئي بالنعمة اللي في إيدك؛..
علِم الله أنك تحتاج لنقصٍ متجدد ليحفظ لك توازن العاطفة والشهوة، فمنَّ عليك بالمنع.

النظام العالمي الرأسمالي يدرك تمامًا فلسفة الـ Pleasure Capitalism اقتصاد الرغبة، فالإنسان القديم كان يستمتع بالأكل والشرب والجنس والصيد والسيادة، لكن هذه المُتع ليست تضمن استمرار الشراء، وعدم استمرار الشراء يهدد بشكل واضح نماء الاقتصاد الرأسمالي.. فلابد أن نخلِق لك احتياجًا دائما.. نحن سندير لك اللذة، ونعلم يقينًا أنك ستحتاج لتطويرها كما نرغب نحن.. سنزودك بمنتجات ونُقسم لك باللاتِ والعزى أنها ربما ستهبك الرضا.. برغم إنك لو ركزت كده وغمضت عينك وقللت حجم التأثير البيعي ده.. هتلاقي نفسك راضي فعلا باللي معاك، وخصوصا لو بتعرف تُدير الالتذاذ بما تملك.. "الإنسان أسير احتياجه" لو حطَّم أصفاد الاحتياج فإنه حرٌ طليق لا يهزمه شيء.
إن الله لما قال "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه.." كان يُنبه الإنسان أن "الذي تقوده لذة سيصير عبدًا لها ولو جلس على عرش حُكم الأرض كلها"

"لنفتنهم فيه".
إما أن تُديرَ لذَّتك أو تديرك هي.. ولو تمكَنتْ منك شهوتك فلن تذرَكَ إلا حطامًا؛ تظلُ تلهث خلفها "ألهاكم التكاثر" تكاثر المال والولد والمناصب والشهوات والمُتع والملذات؛ "حتى زرتم المقابر" حتى الموت.. يقول سيدنا عليّ كرم الله وجهه "الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا"

وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ .
اللهم لا تُغنِنا غنىً يُطغينا، واكفنا بحلالك عن حرامك وأغننا بفضلك عن من سواك..
أعِد ضبط حساسية النعمة = بشُكر المُنعم.
علِّم نفسك الحرمان فإن النفس لا تستطعم الشبع إلا من جوع.
أن تحيا بلذة منضبطة خيرٌ لك من أن تهلَك بمتعة طاغية.

مجرد شخبطة، مما تإزُّ به النفس، ولا يحتمل كتمانه الصدر.
وكتبه أُسيم نصار.
في السابع والعشرين من شوال لعام 1446 هـ.
❤186🔥6😁1