ومن الناس من لا تصحُّ محبته إلا بعد طولِ المُخافتة، وكثيرِ المُشاهدة، ومتمادي الأُنس، وهذا الذي يوشك أن يدوم ويثبت ولا يَحيك فيه مرُّ الليالي، فما دَخل عسيرًا لم يخرج يسيرًا؛ وهذا مذهبي. وقد جاء في الأثر أن الله عز وجل قال للروح - حين أمره أن يدخل جسدَ آدم وهو فخَّار فهابَ وجَزِعَ: ادخُل كرهًا واخرُج كرهًا.
وإني لأطيل العجب مِن كل مَن يدعي أنه يحب مِن نظرة واحدة، ولا أكاد أصدقه، ولا أجعل حُبَّه إلا ضربًا من الشهوة، وأما أن يكون في ظنِّي متمكنًا من صميم الفؤاد نافذًا في حجاب القلب فما أُقَدِّر ذلك، وما لصق بأحشائي حُبٌّ قطُّ إلا مع الزمن الطويل، وبعد ملازمة الشخص لي دهرًا، وأخذي معه في كل جدٍّ وهزل، وكذلك أنا في السلوِّ والتوقي، فما نسيت ودًّا لي قطُّ – وقد استراح مَن لم تكن هذه صفتُه – وما مللتُ شيئًا قط بعد معرفتي به، ولا أسرعت إلى الأنس بشيء قط أولَ لقائي له، وما رغبتُ في الاستبدال إلى سبب من أسبابي مذ كنت.
فمن أحب من نظرة واحدة وأسرعَ العلاقة مِن لمحةٍ خاطرة؛ فهو دليلٌ على قِلَّة الصبر، ومُخبِرٌ بسرعة السُّلو، وشاهدُ الظرافةِ والمَلل، وَإِنَّ من كان سُلُوُّه عن مَلَل فليس حُبُّه حَقيقة، وَالْمُتَّسِم بِه صَاحِبُ دعوى زائِفَة، وإِنما هو طالِب لَذَّة ومُبادِر شَهوة. وَالسالي من هذا الوجه مَذموم.
وهكذا في جميع الأشياء أسرعُها نموًّا أسرعُها فناءً، وأبطؤها حدوثًا أبطؤها نفاذًا.
-أبن حَزم الاندلسي، طوق الحَمامة.