أفتقد كثيراً من أصدقائي الذين مضوا إلى مدارات الغياب؛ أولئك الذين ابتعدوا عن العين، لكنهم لم يغادروا القلب، ولم تستطع الأيام أن تطمس أصواتهم أو تمحو ملامحهم من الذاكرة.
كل يوم أتذكر رفاقاً وأصدقاء آخرين أخذهم الرحيل إلى جهاته البعيدة.
لم يكونوا أسماء عابرة في حياتنا، ولا وجوهاً مرّت ثم انطفأت؛ كانوا جزءاً من العمر، ورفاقاً في الطريق، وذاكرة حيّة لسنوات لا نستطيع استعادتها إلا حين تستيقظ فينا الذكريات.
لكل واحد منهم مكانه الذي لا يشبهه مكان، وغيابه الذي ترك في الروح فراغاً لا تملؤه الأيام، وأثراً خفياً لا يرى، لكنه يظل حاضراً في أعماقنا.
أحيانًا أشعر أن الغياب لا يأخذ الأشخاص وحدهم، بل ينتزع معهم شيئاً من أيامنا؛ صوتاً كان يملأ المكان، وضحكة كنا نعرفها من بين الضحكات، وحديثاً كان يمتد بنا إلى آخر الليل، وطمأنينة لم نكن ندرك قيمتها إلا بعد أن صارت ذكرى.
وحين أتذكرهم، لا أشعر أنهم بعيدون تماماً؛ فما تركوه فينا أكبر من أن يطويه الرحيل، إنهم يقيمون في تفاصيل صغيرة لا ننتبه إليها إلا حين يشتد الحنين: في مقعد خال، وشارع قديم، وصورة عابرة، ورائحة مكان، أو جملة تستدعي إلى القلب، في لحظة واحدة، زمناً كاملاً.
ربما لهذا لا يكون الموت هو الغياب الأخير؛ فبعض الذين نحبهم يرحلون عن الحياة، لكنهم يظلون مقيمين فينا، أكثر حضوراً مما كانوا عليه وهم بيننا، نلتقيهم في الذاكرة، ونسمعهم في الصمت، ونستعيد ملامحهم كلما ضاق بنا الحاضر واشتقنا إلى زمن كان أكثر اتساعاً بهم.
سلام على أصدقائنا الذين مضوا إلى الغياب، وعلى رفاق ما زالت خطاهم تسكن الذاكرة، وعلى أولئك الذين أخذهم الرحيل ولم يأخذ أثرهم، وسلام على من غادروا الحياة، وبقيت محبتهم فيها؛ كأنهم لم يرحلوا تماماً، بل انتقلوا من أماكننا إلى أعماقنا، حيث لا تصل يد الغياب.
رحم الله اصدقاء ورفاقأ واخوهه ارتحلو شهداء لله عز وجل
الدكتور
9
2August 24, 2026 632