قبل أن تُقْدِم على ارتكاب ما لا يُتصوّر من أهوال وفظائع بحق البشر،… — الفيلسوف الجديد — TG.ME

«قبل أن تُقْدِم على ارتكاب ما لا يُتصوّر من أهوال وفظائع بحق البشر، يتعيّن عليك، أولًا وقبل كل شيء، أن تجعلهم 'فائضين عن الحاجة'. ليسوا فقراء، لا لا. وإنّما أن تجعلهم زائدين عن الحاجة، وتجرّدهم من أي حيّزٍ في العالم يكون لوجودهم فيه أدنى اعتبار بالنسبة إلى أحد كان.

هذا، بالضبط، هو ما أنتجتهُ فظائع هذا القرن على نحوٍ كاسح: حيث ملايين من البشر الذين فقدوا مجتمعاتهم، ومراكزهم، وانتماءاتهم، إلى الحد الذي غدوا فيه، وفقًا للحسابات الباردة للسلطة، محض 'فائض احتياطي'. بوسعك أن تطرحهم من المعادلة، ولن يتغير، على ما يبدو، أي شيء ذي بال.

والحال أن هؤلاء 'الفائضين عن الحاجة' هم مَن يتحولون إلى 'حشود'. ولتُلاحظ ههنا أن الكتلة الجماهيرية ليست 'طبقة'؛ أي ليست جماعة من الناس تشترك في مصالح محددة بوسعها أن تفاوض وتقوم بما تقوم به على نحو جماعي وتشاركي. إنها، بالأحرى، ما يتبقى إثر انحلال وتفكك كافة الروابط الاجتماعية؛ حشدٌ من المعزولين، كلّ امرئٍ فيه يقبع في عزلةٍ موحشة، وكل فردٍ يتملكه اليقين بأن العالم ليس بحاجةٍ إليه البتة.

والإنسان، وهو في حالةٍ وجوديّة كهذه، سيتشبث بأي شيء، بأي قشةٍ من شأنها أن ترمّم إحساسه بالأهمية؛ بأي حركةٍ تقول له: أنت لست عدمًا. أنت جزءٌ من كيانٍ هائل وواسع يمضي قُدُمًا نحو إعادة بناء العالم.

هذه، إذن، هي 'المادة الخام'. إنهم ليسوا وحوشًا. ما هم إلا محض أناسٍ معزولين تأكلهم الوحشة، وقد تشرّبوا يقينًا فادحًا بأن العالم قد نبذهم ولفظهم عن بكرة أبيهم، فراحوا يلهثون بحثًا عن أي مكان، أي مكان على الإطلاق، ليحظوا فيه أخيرًا بانتماء ما».

حنَّا أرندت (١٩٦٧)
❤11👍3👏3🔥1
July 2, 2026 3.6K 11