نيران الذكريات!
صاحب القلب الحي الذي يصطلي جوفه بنار الذكريات المؤرقة من المواقف الماضية والأحداث المشجية والذنوب السالفة، هذا الذي كلما وضع رأسه على الوسادة ليسكن إليها سلّ الماضي عليه يومًا مُظلمًا، فتغدو الوسادة جمرًا، والسرير ألبومًا أنيقًا للذكريات الحالكة، والليل موعًدا لا يخلف لمرور قوافل الأحزان الطويلة .. هذا الذي هو مشروع مكتئبٍ وشيك، هذا المنطوي عن كثيرٍ من المناسبات، هذا ليس مريضًا بكثرة الذنوب وعظيم الخطايا ومراكمة الرزايا، إنما هو إنسانٌ فقد البوصلة، وضل السبيل عن التعامل مع الماضي وفق الخطة القرآنية الجليّة الصارمة!
الإيمان بالقدر حيال المصائب بعد وقوعها والذنوب بعد التوبة منها هو الخلاص الأبدي من سيطرة الماضي الكئيب على زمام الأمور في الحاضر والمستقبل، وهو باب النجاة الوحيد للحيلولة دون غمس الحاضر في بحيرة الماضي، وليست هذه مبتكرات واجتهادات، وإنما هي أظهر الحكم البالغة التي يشير إليها القرآن، فهو يخبرنا بوضوح أن ما ينزل من المصائب في كتابٍ من قبل أن نبرأها، ولو تأمل المحزون المأسور بقيود الماضي عموم آيات القدر لوجد سكينة عجيبة تتطامن في جنبات فؤاده، وهاتان الآيتان وحدهما من تشبث بهما وجد مدواةً لما يعتمل في جوفه: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ يا الله! فهذه المواقف المكدرة والفوائت المؤلمة مكتوبة في كتاب من قبل أن يُخلق الخلق، هذا أمر عظيم يملأ الفؤاد سكينة وراحة، فهو بلسم وعافية مع سائر الفوائت والأحزان!
ومن جملة الخطط القرآنية حيال الأخطاء إسقاط تبعة الماضي بإصلاح الحاضر، فمن انتهى في الحاضر فإن الماضي يغدو عدمًا، وهذا عرض متكرر في طيات القرآن دون أدنى شروط ولا أي قيود غير شرط الانتهاء، فكلُّ أحد مهما بلغ يملك الاستجابة لهذا العرض الإلهي السخي، وذلك وفق إمكانياته المتاحة، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ومن سلك هذه الخطة فإن الماضي ينتهي كأن لم يوجد! صفحة بيضاء كأن لم تكن من الأساس! ولادة جديدة وتاريخ جديد!
فالقرآن لا يسجن أهله في سلاسل أخطائهم، بل هو يعلمهم خطة المسارعة والمسابقة، ويفتح في الأفق القريب إمكانية البدء مهما كان حجم الخطأ وهوَّة الانحراف ومستوى الانحطاط! ففي المعيار القرآني لا ذنب ولا ذكرى ولا مرحلة ولا حالة مهما بلغت من السوء تغدو مستثنيةً من خطة البدء من جديد!
بل يتجاوز القرآن هذا المعنى على شَرَفِهِ وفَضْلِه، ويمنحنا خطة إضافية وهي خطة استثمار الماضي الحالِك، وليس الاقتصار فقط على مجرَّد تجاوُزِهِ، وذلك بالسعي في تبديل السيئات حسنات عبر استثمار ذكرى الماضي الكئيب في إصلاح الحاضر كما قال الله عز وجل في كتابه: ﴿إلا من تاب وءامن وعمل عملا صـٰلحا فأولـٰىٕك یبدل ٱلله سیـٔاتهم حسنـٰت وكان ٱلله غفورا رحیما﴾، ففي التعبير عن أحد القولين في تفسير هذه الآية يقول ابن كثير: (تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات، وما ذاك إلا أنه كلما تذكر ما مضى ندم واسترجع واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار)، فانظر كيف كانت الذكريات المؤلمة سبيلا لاستصلاح الحاضر وكان الماضي الحالك مجالا للحركة والبدء من جديد.
هناك خيط رفيع في كتاب الله وتفريق دقيق بين الحزن الذي يقتل ويكبِّل في قيود وهمية، وبين الندم الذي يحيي ويكون وقودًا للانطلاق والتحليق! والقرآن يضيِّق الخناق على المعنى الأول، ويفتح الآفاق على المعنى الثاني، فالحمد لله كثيرًا على نعمة هذا القرآن!
Forwarded fromقناة سليمان بن ناصر العبودي
32
10
6
2August 31, 2026 2.8K 72