ثم يقول: (أو لعلك رأيتني آلف مجالس البطالين فبيني وبينهم خليتني).
إن للصحبة أثرًا لا يشعر به القلب في بدايتها، فالإنسان لا يتحول دفعةً واحدة، وإنما يتسرب إليه ما يألفه شيئًا فشيئًا حتى يصبح ما كان يستثقله محبوبًا، وما كان يحبه من الذكر ثقيلًا عليه. وليس البطالون بالضرورة أهل معصيةٍ ظاهرة؛ قد يكون المجلس كله مباحًا، ولكن الروح تخرج منه أكثر فراغًا، وأقل تعلقًا بالله، وأشد ألفةً بالدنيا. بعض المجالس لا تجعلك عاصيًا، لكنها تجعلك تنسى لماذا جئت إلى الدنيا أصلًا. وبعض الصحبة لا تسقطك في الخطيئة مباشرةً، لكنها تطفئ فيك الحساسية تجاه الخطيئة حتى تصبح الأمور التي كانت تؤلمك عادية. ولذلك يحتاج السالك إلى أن يسأل نفسه لا فقط: من هم الذين أجالسهم؟ بل: ماذا يبقى في قلبي بعد أن أفارقهم؟ هل أخرج أكثر شوقًا إلى الله أم أكثر غفلة؟ هل أجد قلبي أخف أم أثقل؟ هل تزداد رغبتي في الطاعة أم يزداد استثقالها؟ فالقلب وعاء، وما يكثر فيه من شيءٍ يضيق عن غيره؛ ومن ألف مجالس البطالين ضاق قلبه عن مجالس العارفين، ومن أكثر ذكر الدنيا استوحش من ذكر الآخرة، ومن ألف الضجيج صار الصمت بين يدي الله مخيفًا له.
ثم يقول: (أو لعلك لم تحب أن تسمع دعائي فباعدتني).
وما أشد هذه العبارة على قلبٍ عاصٍ يحب الله! أن يخطر له بأن دعائه لم يعد محبوبًا، وأن صوته الذي طالما رفعه في السحر لم يعد له ذلك الموضع.. وأما السالك لا يتعامل مع تأخر الإجابة على أنه رفض؛ فالله قد يعطي بالمنع، وقد يربي بالتأخير، وقد يفتح في القلب من خلال عدم إعطاء المطلوب بابًا إلى معرفةٍ لم يكن ليصل إليها لو أُعطي ما أراد. ولعلّ بعض دعائنا يكون متعلقًا بما نريده من الله، لا بالله؛ نطلب منه أن يغير العالم حولنا، بينما يريد منا أن يغير شيئًا في داخلنا. نطلب رفع الحجاب ولا نسأل لماذا أحببنا الحجاب أصلًا. نطلب الوصول وننسى أن الطريق الذي نكرهه ربما هو الذي يصنع فينا أهلية الوصول. والدعاء الحقيقي ليس أن أجعل إرادتي فوق كل شيء، وإنما أن أقف أمام إرادته حتى تتطهر إرادتي. ولذلك ربما كان أعمق الدعاء أن أقول: يا رب، لا تعطِني ما يبعدني عنك ولو كان أحب الأشياء إليّ، ولا تمنعني ما يقربني إليك ولو كان أثقل الأشياء على نفسي.
ثم يقول: (أو لعلك بجرمي وجريرتي كافيتني).
هنا تسقط كل الأعذار. لا يعود لي أن أضع اللوم على الناس، ولا على الظروف، ولا على الشيطان، ولا على ضعفي، وإن كان لكل ذلك أثره؛ لأن العبد إذا أراد أن يتحرر من ذنبه فعليه أولًا أن يعترف بأنه ذنبه. وما دام الإنسان يبرئ نفسه دائمًا فلن يتوب، لأنه يرى أن المشكلة في العالم كله إلا فيه. أما حين يقول: "جرمي وجريرتي"، فإنه يسترد مسؤوليته، والمسؤولية هنا ليست جلدًا للنفس، بل بداية التحرر منها. أن أقول: أنا أخطأت، يعني أنني أستطيع أن أعود. أن أقول: أنا المظلوم دائمًا، يعني أنني سأبقى أسيرًا لما يفعله الآخرون بي. وفي السلوك إلى الله لا شيء أشد خطرًا من النفس التي لا ترى عيبًا في نفسها؛ لأنها إذا لم ترَ المرض لن تطلب الدواء، وإذا لم تعترف بالبعد لن تطلب القرب، وإذا لم تشعر بالفقر فلن تبحث عن الغني.
ثم تبلغ المناجاة أشد مواضعها مرارة: (أو لعلك بقلة حيائي منك جازيتني).
لعل كل ما سبق يرجع إلى هذا: قلة الحياء من الحبيب جل وعلا. فالحياء من الله ليس مجرد أن أخجل من المعصية، وإنما أن أعيش في حضرته وأنا أعلم أنه المنعم المطلق، ثم أتعامل مع نعمه كأنها ملكي. أن يعطيني العين فأستخدمها فيما لا يرضيه، ويعطيني اللسان فأذكر به ما لا يليق، ويعطيني القلب فأملؤه بغيره، ويعطيني العمر فأهدره ثم أقول إنني أريد القرب. إن الحياء يبلغ غايته حين لا يعود العبد يرى طاعته شيئًا يستحق به الإعجاب؛ لأن كل طاعةٍ عنده مسبوقة بنعمة القدرة عليها، ومصحوبة بنعمة التوفيق إليها، ولاحقة بنعمة الستر عليها. ولذلك فإنني كلما تأملت في هذا المقام شعرت أن أعظم ما يستحق البكاء ليس فقط ذنوبي، بل جهلُي بنعم الله وأنا أذنب؛ أن أكون محاطًا بآثار رحمته ثم أتصرف كأنني مهجور، وأن يكون باب التوبة أمامي ثم أتعامل مع اليأس كأنه الحقيقة. يا لها من قسوة أن يعطيني الله كل هذه النعم، ثم لا أجد في نفسي من الحياء ما يجعلني أستحيي من استعمالها في غير مرضاته.
2October 2, 2026 24