ثم يقول: (أو لعلك وجدتني في مقام الكاذبين فرفضتني). وهذه العبارة وحدها تكفي لأن يقف العبد طويلًا أمام مرآة قلبه؛ فأين الكذب؟ قد لا يكون في اللسان، بل في المسافة بين ما أقول وما أنا عليه. أقول إنني أحب الله، فهل أحب ما يحبه حين يخالف هَواي؟ أقول إنني أريد الآخرة، فهل أتصرف في حياتي كما يتصرف من صدق أنه راحل؟ أقول إنني عبد، فهل أقبل حكمه حين لا يوافق رغبتي؟ أقول إنني تائب، فهل أحزن إذا عدت إلى ذنبي أم أحزن فقط لأنني فقدت صورة التائب في نفسي؟ إن الصدق في الطريق ليس أن أتكلم عن الله كثيرًا، وإنما أن يقلّ الفارق بين دعواي وحقيقتي حتى لا يكون بينهما إلا ما يعجز العبد عن إصلاحه إلا بالله. وقد أخاف من نفسي حين أجدني أتكلم عن المقامات التي لم أذقها، وعن الفناء الذي لم أصل إلى بابه، وعن الإخلاص وأنا ما زلت أرى نفسي في عبادتي؛ فإن أخطر ما يمكن أن يصيب السالك أن تتحول اللغة العرفانية إلى ستارٍ يخفي فقره بدل أن يكشفه، وأن يصبح الحديث عن الله أسهل عليه من الوقوف بين يديه. وما أقسى أن يعرف الإنسان أسماء المقامات ولا يعرف حال قلبه. ثم يقول: (أو لعلك رأيتني غير شاكر لنعمائك فحرمتني). والنعم ليست ما تعده النفس من صحةٍ ومالٍ وأهلٍ وأمانٍ فحسب؛ إن أعظم النعم أن يبقى في القلب شيءٌ من الخوف من الله، وأن يبقى للذنب ألم، وللعبادة شوق، وللرجوع رغبة، وللدعاء لذة، وللآخرة حضور. وقد يكون من أعظم الحرمان أن يفقد الإنسان إحساسه بأنه محروم؛ أن يألف البعد حتى لا يعود البعد يؤلمه، وأن يقسو قلبه حتى لا يعود يسأل عن سبب قسوته. فالشكر ليس أن أقول الحمد لله بلساني فقط، وإنما أن أعرف أن كل ما فيّ قائمٌ بعطائه؛ فإن تحركت يدي ففي نعمة، وإن نطقت ففي نعمة، وإن اهتدى قلبي إلى أن يقول "يا رب" فهذه نعمة أعظم من أن أحيط بها. فإذا نسبت شيئًا من ذلك إلى نفسي فقد بدأت بسرقة النعمة من المنعم، وإذا رأيت طاعتي ملكًا لي فقد نسيت أنها كانت توفيقًا منه قبل أن تكون عملًا مني. ولهذا أخاف أن أكون غير شاكر لا لأنني أنكر النعم، بل لأنني أعتادها حتى لا أرى اليد التي تمدها إليّ في كل لحظة. ثم يقول: (أو لعلك فقدتني من مجالس العلماء فخذلتني). وليس العلماء في هذا المقام مجرد أصحاب المعرفة العامة، وإنما هم أهل البصيرة الذين يردّون القلب من نفسه إلى الله، ويكشفون للإنسان جهله بنفسه قبل أن يزيدوه علمًا بغيره. وأخوف ما يخافه طالب العلم أن يصبح العلم حجابًا جديدًا؛ أن تكثر في رأسه الأسماء والمصطلحات، ويقل في قلبه الخشوع، وأن يستطيع أن يشرح مقام الفناء ولا يستطيع أن يفنى عن غضبه، وأن يتكلم عن التوحيد ولا يستطيع أن يرضى بحكم الله إذا خالف هواه، وأن يعرف دقائق السلوك بينما لا يزال عاجزًا عن أن يترك شيئًا يحبه لله. فالعلم الذي لا يهذب النفس قد يتحول إلى حجةٍ عليها، وكلما ازدادت المعلومات ازداد الخطر إن لم تزد معها العبودية. ولهذا فإن مجالس العلماء في حقيقتها مجالس تذكير بالفقر، لا مجالس استعراض للغنى؛ يجلس فيها الإنسان ليعرف كم يجهل، لا ليُثبت كم يعرف. وإذا خرجت من مجلس علمٍ وأنا أشعر أنني أعظم من الناس، فلعلي لم أدخل مجلس العلم أصلًا، وإنما دخلت مجلس نفسي. ثم يقول: (أو لعلك رأيتني في الغافلين فمن رحمتك آيستني). والغفلة عندي ليست أن أنسى الله لحظات، فذلك من طبيعة ضعف الإنسان، وإنما أن تصبح الغفلة وطنًا، وأن يعتاد القلب البعد حتى لا يعود يشعر بمرارته. أن أعيش وكأن الموت خبرٌ يخص الآخرين، وكأن الآخرة معنى بعيد، وكأن الأيام لا تنقص من عمري، وكأن الذنوب التي أخفيها لا تصنع شيئًا في روحي. إن الغافل ليس الذي لا يعرف وحسب، بل الذي يعرف ثم لا يتحرك؛ يسمع الآية ولا تغيّره، يرى جنازةً ولا يتذكر جنازته، يودع شخصًا ثم يعود إلى حياته وكأنه لم يرَ شيئًا. ومع ذلك فإن مجرد حزني من غفلتي قد يكون رحمةً لا ينبغي أن أحتقرها؛ لأن القلب الذي يتألم من بعده لم يمت بعد. ولذلك لا أريد أن يتحول الخوف من الغفلة إلى يأس؛ فالشيطان يحب أن ينقل الإنسان من الذنب إلى القنوط، ومن القنوط إلى ترك الطريق كله. أما العارف فيبقى خائفًا راجيًا؛ يرى سواد نفسه ولا يظن أن سوادها أكبر من رحمة الله، ويرى كثرة ذنوبه ولا يجعلها أعظم من باب الله، ويقول: إن كنت لا أستحق رحمته فأنا أحوج الناس إليها، وإن كنت لا أستحق القرب فأنا لا أملك إلا أن أطلبه، وإن كنت لا أستطيع أن أصل إليه بعملي فلأصل إليه بفقر عملي وعجزه..
ثم يقول: (أو لعلك وجدتني في مقام الكاذبين فرفضتني). وهذه العبارة… — مجتبى باقري ☫ — TG.ME
October 2, 2026 32