والسؤال الأعمق يتعلق بالنيابة: إذا كان البرهان يستطيع أن يقرر اليوم… — مجاهد بشرى - عشم — TG.ME

والسؤال الأعمق يتعلق بالنيابة: إذا كان البرهان يستطيع أن يقرر اليوم أن بلاغات بعينها تُشطب عندما تصبح عودة أصحابها مفيدة لمشروع الحوار الذي تتبناه سلطته، فأين تنتهي سلطة البرهان وأين تبدأ استقلالية النيابة؟ الاستقلال لا يقاس بالنصوص التي تعلن أن المؤسسة مستقلة، وإنما بسلوكها عندما تتعارض مصلحة رأس السلطة مع واجب تطبيق القانون، والاختبار الأكبر هنا ليس ملاحقة معارض موجود خارج السودان؛ الاختبار هو قدرة النيابة على التحقيق في واقعة 25 أكتوبر وفي المسؤولية المحتملة للرجل الموجود على رأس السلطة نفسها.

فإذا كانت النيابة لا تستطيع أو لا تريد فتح تحقيق مستقل في انقلاب 25 أكتوبر، بينما تتحرك بصرامة ضد معارضي السلطة تحت عنوان «تقويض النظام الدستوري»، ثم تصبح البلاغات نفسها قابلة للشطب بقرار سياسي عندما تتغير حاجة السلطة إلى هؤلاء المعارضين، فإن السؤال عن استقلال النيابة لا يعود اتهاماً نظرياً، وإنما يصبح سؤالاً مؤسسياً تفرضه الوقائع: هل تتحرك الدعوى الجنائية وفق الفعل والأدلة، أم تتأثر بموقع الشخص من السلطة وبالحاجة السياسية إليه؟

وتظهر المشكلة نفسها من زاوية أخرى في قضايا «التعاون مع الدعم السريع». فقد شهد السودان خلال الحرب محاكمات لآلاف الأشخاص بهذه التهمة، واستخدمت فيها مواد من بينها 26 و50 و51 وغيرها، ووصلت بعض الأحكام إلى الإعدام، وهذا يعني أن وصف «التعاون» ليس مجرد اتهام سياسي عابر، وإنما قد يقود المتهم إلى أقصى عقوبة في القانون.

لكن عندما تنشق قيادات عسكرية كانت جزءاً فعلياً من الدعم السريع وتنتقل إلى معسكر الجيش، يصبح من المشروع طرح السؤال عن مصير المسؤولية عن أفعالها السابقة، وليس المقصود افتراض أن كل عضو أو قائد سابق في الدعم السريع مجرم؛ فالمسؤولية الجنائية فردية ولا تثبت بالرتبة أو العضوية وحدهما. لكن تغيير المعسكر لا يمحو جريمة ثبت ارتكابها، مثلما أن المعارضة السياسية لا تنشئ جريمة لم تقع. فإذا كان المواطن الذي يقدم مساعدة مادية للدعم السريع يمكن أن يحاكم بتهمة التعاون وربما يواجه الإعدام، فإن القائد الذي أمضى سنوات داخل القوة ينبغي، على الأقل، ألا يعفى من التحقيق في أفعاله السابقة لمجرد أنه أصبح اليوم في المعسكر الآخر.

وهنا يظهر معيار بسيط يصلح لجميع الحالات: ماذا فعل الشخص؟ وما الأدلة؟ لا ينبغي أن يكون السؤال: مع من يقف اليوم؟ فإذا ارتكب قائد سابق في الدعم السريع جريمة، يجب التحقيق معه حتى لو أصبح حليفاً للجيش، وإذا ارتكب سياسي مدني فعلاً جنائياً حقيقياً بالتعاون مع الدعم السريع، يجب إثباته أمام محكمة مستقلة، وإذا لم يفعل الصحفي سوى ممارسة عمل صحفي أو التعبير عن موقف سياسي رافض للحرب والسلطة، فلا يجوز استبدال الدليل الجنائي بوصفه سياسياً بأنه «متعاون» أو «إرهابي».

وأنا واحد ممن طالتهم هذه المنظومة

بالنسبة لي، المسألة ليست نقاشاً أكاديمياً، ففي ديسمبر 2024 ظهر اسمي، مجاهد بشرى ، ضمن إجراءات وأوامر قبض اتخذتها السلطات ضد مجموعة من السياسيين والإعلاميين والناشطين، ثم اتخذت إجراءات مصرفية للبحث عن حسابات وأرصدة تخص أشخاصاً شملتهم تلك القوائم وتجميدها إن وجدت، والمفارقة في حالتي أنني لا أملك أصلاً حساباً مصرفياً في السودان، أي أن النظام تحرك للبحث عن أموال وحسابات غير موجودة في الأساس.

ثم في أبريل 2026 أعلنت نيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة ومكافحة الإرهاب أنني «متهم هارب» في الدعويين الجنائيتين 12/2026 و28/2026. ووفق إعلان النيابة، شملت الدعوى الأولى المواد 26 و50 و51 و55 و62 و66 من القانون الجنائي والمادتين 5 و6 من قانون مكافحة الإرهاب، بينما شملت الدعوى الثانية المواد 26 و50 و51 و186 والمادتين 5 و6 من قانون مكافحة الإرهاب، وهذه ليست أوصافاً بسيطة؛ إنها مواد تتصل بتقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة وجرائم أخرى بالغة الخطورة.

وهنا يصبح السؤال شخصياً وقانونياً في الوقت نفسه: ما الفعل المادي المحدد الذي ارتكبته ويحقق أركان تقويض النظام الدستوري أو إثارة الحرب أو الإرهاب؟ فالخلاف مع البرهان، ورفض الحرب، وانتقاد الجيش أو الحركة الإسلامية، وكشف معلومات عن السلطة، كلها لا تصبح بذاتها أفعالاً إرهابية بمجرد أن تزعج السلطة، وإذا كانت النيابة تمتلك أدلة على فعل جنائي محدد، فإن مكان اختبارها هو محكمة مستقلة تتاح فيها للمتهم معرفة الوقائع والأدلة والرد عليها، لا الاكتفاء بوضع مجموعة من أخطر مواد القانون أمام اسمه ثم إعلان أنه «متهم هارب».
September 4, 2026 265