بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023، سارعت السعودية إلى تكوين منبر جدة، وركزت المفاوضات على الجيش والدعم السريع باعتبارهما الطرفين القادرين على وقف القتال، كان ذلك مفهوماً من ناحية عسكرية وإنسانية؛ فالطرفان هما اللذان يملكان السلاح ويستطيعان تنفيذ وقف إطلاق النار أو خرقه، لكن هذا المسار أنتج نتيجة سياسية جانبية، حيث أعاد تثبيت العسكريين باعتبارهم أصحاب القرار الحقيقي في الحرب والسلام، بينما بقي المدنيون خارج المركز الفعلي للمفاوضات، وهو دليل آخر على أن السعودية لتمد يدها للمدنيين إلا عندما تشتد الضغوط على تابعها قائد الجيش البرهان، ومرة أخرى، تعاملت السعودية مع حملة السلاح باعتبارهم الفاعلين الأساسيين، ومع القوى المدنية باعتبارها طرفاً مطلوباً لإنتاج الشرعية السياسية في مرحلة لاحقة.
وهكذا استمر النمط نفسه الذي بدأ في 2019، وإن تغيرت الظروف والأدوات.
هل فشلت السعودية في تسويق البرهان؟
السؤال المتداول هو لماذا فشلت السعودية في استمالة القوى المدنية لصالح البرهان؟
لكن ربما يكون هذا السؤال أقل دقة من سؤال آخر:
هل أدركت السعودية أن المشكلة لدى المدنيين لم تعد في شروط الشراكة مع البرهان، وإنما في مبدأ الشراكة معه من الأساس؟
بعد انقلاب 25 أكتوبر، ثم الحرب، أصبح قبول اتفاق جديد مع البرهان بالنسبة إلى قطاع واسع من المدنيين يعني العودة إلى اللحظة التي سبقت الانقلاب، وإعادة تسليم المؤسسة العسكرية موقع الوصي على المرحلة السياسية، وهو ما تريده السعودية، وترفضه كل القوى المدنية و الثورية في السودان، حتى المتحالفة مع الجيش، مما يوضح المأزق والضغط الكبير الذي يرزح تحته قائد الجيش البرهان..
الخوف لا يتعلق فقط بشخص البرهان، بل بإعادة إنتاج البنية ذاتها: جيش يحتفظ بالقوة السيادية، ومدنيون يتحملون مسؤولية الحك، واصلاح اخطاء العسكر، ثم ينقلب عليهم العسكريون عندما تتعارض مصالحهم مع مسار الانتقال.
ومن هنا يمكن فهم خشية بعض القوى من أن تنتهي أي تسوية جديدة إلى تنصيب البرهان حاكماً دائماً أو إلى إعادة شبكات النظام السابق إلى الدولة تحت غطاء جديد، وهي الخطة السعودية منذ 2019م.
ويمكن الجزم بأن هذا السيناريو كان حتمياً، وأصبح جزءاً مركزياً من الوعي السياسي المدني بعد تجربة الانقلاب و الاتفاق الإطاري اللذان اوضحا بجلاء رغبة البرهان في السلطة، و أن المانع و الحاجز الوحيد امام هذا السيناريو هو موقف المدنيين الصارم بعدم القبول بأي اتفاق يكون البرهان طرفاً فيه، وهو ما يبفسر العداء الجنوني الذي يكنّه البرهان للمدنيين، و تأرجحه ما بين الوعيد و الترغيب معهم، غير. مدرك للأسباب التي تجعل موقف صمود وتأسيس صفري تجاه البرهان رغم اختلافهما حول طريقة الوصول للحل.
الخطأ السعودي المحتمل
و من الواضح أن الخطأ السعودي الأساسي ليس هو اختيار البرهان فحسب، وإنما سوء تقدير التحول الذي حدث داخل القوى المدنية، فالرياض افترضت أن المدنيين، مهما تصاعدت خلافاتهم مع الجيش، سيقبلون في النهاية بأي تسوية توقف الحرب وتعيد مؤسسات الدولة، لكن ما لا تفهمه السعودية، أن قسماً كبيراً من المدنيين أصبح يرى أن العودة إلى مؤسسات الدولة من دون تغيير طبيعة سيطرة الجيش عليها ليست إنقاذاً للدولة، بل عودة إلى أصل الأزمة.
السعودية ظلت دائما تسأل: كيف يمكن إعادة بناء الدولة حول الجيش والمدنيين؟
بينما ظل سؤال المدنيين: كيف يمكن منع الجيش من البقاء في السلطة، أو الانقلاب علينا مرة أخرى؟
وهذان سؤالان مختلفان تماماً..
والنتيجة واحدة، إن بذلت السعودية ملء الأرض ذهباً..
ما اشترى منها أحداً البرهان ..
16
10August 5, 2026 2.5K 1