حكم إفتاء المتبرجة والمجاهرة بالمعصية في ميزان الشريعة والأثر ​أولاً… — مباسم 🍁 — TG.ME

حكم إفتاء المتبرجة والمجاهرة بالمعصية في ميزان الشريعة والأثر

أولاً: مقام الإفتاء واشتراط العدالة الشرعية
إن التصدر لإفتاء الناس وبيان حلال الشريعة وحرامها ليس مجرد مجادلة عقيلة أو سردٍ للمعلومات، بل هو مقام توقيع عن رب العالمين وإخبارٌ محض عن دينه وشرعه.
ومن هذا المنطلق، أجمع علماء الأمة وأئمة السلف على أن المفتي لا بد أن تتوافر فيه "العدالة الشرعية"، وهي ملازمة التقوى، واجتناب الكبائر، والسلامة من المجاهرة بالمعاصي وإظهار الذنوب.

فالأمانة على الدين تستوجب استقامة الظاهر والباطن، ولا يُقبل خبر من اختلّت عدالته في أحكام الدين.

الدليل من القرآن الكريم:

قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]
والمعنى ان: الفتوى هي أعظم أنواع النبأ والإخبار عن الله تعالى، والآية الكريمة أوَجَبَت التبيّن والتوقف في خبر من أظهر الفسق والمعصية، فلا يُعتمد قوله ولا تُقبل فتواه في الدين حتى تثبت عدالته وتوبته.

ثانياً: أثر التبرج والمجاهرة بالذنب على سقوط شرط العدالة

يُعتبر التبرج وإبداء الزينة المحرمة أمام الرجال الأجانب معصيةً ظاهرةً ومخالفةً صريحة لأوامر الله تعالى.

والعلة في ردّ فتوى المتبرجة ليست لمجرد المعصية المجردة التي يقع فيها البشر سراً، وإنما للمجاهرة والإصرار الظاهر بها؛ إذ إن المجاهرة بالذنب تُسقط الهيبة والأمانة والعدالة الظاهرة التي هي شرط أساسي في قبول الفتوى والتلقي عن الشيوخ والمفتين.

والدليل من السنة النبوية:

فـ ​عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
«كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلاَّ المِجَاهِرِينَ»
[رواه البخاري ومسلم]

والمعنى هنا: أن المجاهر بالمعصية—ومنها التبرج الظاهر—قد رفع ستر الله عن نفسه وأظهر المخالفة، والمجاهر مقطوع بانتفاء أمانته الشرعية وعدالته المعتبرة، ومن لم يكن مأموناً على نفسه وفي ظاهره، كيف يُؤمن على معالم الدين وأحكام الشريعة؟

ثالثاً: صيانة العلم الشرعي واختصاص التبليغ بأهل الاستقامة

لم تجعل الشريعة الإسلامية حمل العلم وتبليغه للناس كلأً مباحاً لكل من حفظ مسألة أو قرأ كتاباً، بل جعلت العلم شرفاً وأمانةً لا يحملها إلا من اتصف بالصلاح والاستقامة والستر، ليكون القدوة في عمله قبل قوله. فالمتصدّر للإفتاء إذا كان يُخالف بظاهره ما يُفتي به أو يرتكب معصيةً ظاهرة، صار سبباً في جرأة الناس على أحكام الله واستخفافهم بشرعه.
و​الدليل من السنة النبوية:

عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُذْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ»
[رواه البيهقي في السنن الكبرى وشرف أصحاب الحديث]

والمعنى ان: النبي ﷺ حصر أمانة حمل العلم ونشره وتبليغه للناس في "العدول" أهل الصلاح والتقوى، والمجلس الذي يُفتى فيه ينبغي أن يكون خالصاً للعدول الملتزمين بهدي الإسلام في ظاهرهم وباطنهم.

رابعاً: النقل الموسع عن العلماء وأئمة السلف في المسألة

تواترت أقوال أهل العلم وأئمة المذاهب الأربعة على تشديد الموقف من إفتاء الفاسق والمجاهر بالمعصية، وأكدوا على أن من شرط المفتي المقبول القول أن يكون ثقة مأموناً ظاهر الصلاح والعدالة:

نقل الإجماع على بطلان فتوى المجاهر بالمعصية:

قال شيخ الاسلام ابن تيمية-رحمه الله-:
«فَأَمَّا الْفَاسِقُ فَلا تُقْبَلُ فَتْوَاهُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ... لأَنَّ الإِفْتَاءَ خَبَرٌ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالشَّهَادَةُ وَالْخَبَرُ لا يُقْبَلانِ مِنْ الْفَاسِقِ لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾».
مجموع الفتاوى (ج35 / ص390-391) 📚

قال الإمام النووي-رحمه الله-:

«وَأَمَّا الشَّرَائِطُ الَّتِي تَرْجِعُ إلَى حَالِهِ فِي دِينِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ: فَأَنْ يَكُونَ كَامِلَ الأَهْلِيَّةِ، مُكَلَّفًا، مُسْلِمًا، ثِقَةً، مَأْمُونًا، مُتَنَزِّهًا عَنْ أَسْبَابِ الْفِسْقِ وَخَوَارِمِ الْمُرُوءَةِ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ فَتْوَاهُ... وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْفَاسِقَ لا تَصِحُّ فَتْوَاهُ، وَنَقَلَ الْخَطِيبُ البَغْدَادِيُّ فِيهِ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ».

المجموع شرح المهذب (ج1 / ص74)📚


وقال شيخ الإسلام ابن الصلاح-رحمه الله-:

«شَرْطُ الْمُفْتِي كَوْنُهُ مُكَلَّفًا مُسْلِمًا، وَثِقَةً مَأْمُونًا، مُتَنَزِّهًا عَنْ أَسْبَابِ الْفِسْقِ وَخَوَارِمِ الْمُرُوءَةِ، مَشْهُورًا بِالدِّيَانَةِ وَالصِّيَانَةِ؛ لِأَنَّ الْمُفْتِيَ مُخْبِرٌ عَنْ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، فَلا تُقْبَلُ فَتْوَاهُ إلا عَمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَالْفَاسِقُ
❤2💘1
September 5, 2026 11