أتعجب من نفسي أحيانًا عندما ألتفت إلى تلك الأشياء الصغيرة التي لم أخترها ولم أتذكر متى بدأت، كلمة أقولها بالطريقة نفسها التي كان يقولها أحدهم، عادةٌ التصقت بي دون أن أشعر، شعورٌ يتسلّل إلى قلبي في موقف عابر، فأكتشف أن شيئًا من الماضي لا يزال يعيش فيّ، وإن كنت قد نسيت متى تركته خلفي.
ولعلّ هذه إحدى حيل الزمن، لا يأخذ منا أيامنا كاملة بل يوزّعها فينا. يمضي اليوم، ثم يمضي العام، ونظن أننا تركنا كل شيء وراءنا حتى نكتشف بعد زمن أن بعض ما مضى لم يمضِ أصلًا، وإنما غيّر هيئته واختبأ في تفاصيلنا.
وما أغرب الذاكرة.. لا تأتي دائمًا حين نبحث عنها. قد نقضي أيامًا طويلة لا يخطر لنا شخص، ولا مرحلة، ولا موقف، ثم يكفي أن نسمع كلمةً بعينها، أو نلتقي بشعور يشبه شعورًا قديمًا، حتى تنفتح في الداخل صفحةٌ لم نكن ننوي قراءتها.
تعود التفاصيل دفعةً واحدة، لا كأنها أحداثٌ بعيدة، بل كأن بينها وبين الحاضر خيطًا رقيقًا لم ينقطع قط. نتذكر كيف كنّا نفكر، وما الذي كان يؤلمنا، وما الذي كان يملؤنا فرحًا، ونبتسم أحيانًا لا لأن الماضي كان أجمل، بل لأننا نرى الآن ما لم نكن نراه يومها.
ثم أتساءل: هل نحن حقًا نترك مراحلنا حين تنتهي؟ أم أن كل مرحلة تأخذ منها شيئًا وتترك فينا شيئًا آخر؟ لعلّنا لا نغادر أعوامنا كما نظن؛ لعلّها تغادر شكلها فقط، ثم تبقى في نبرة أصواتنا، وفي اختياراتنا، وفي الأشياء التي صرنا نحبها دون أن نعرف لماذا.
ولهذا ربما لا يكون الحنين دائمًا رغبةً في العودة، أحيانًا هو مجرد دهشة؛ أن تلتقي بعد سنواتٍ بقطعةٍ منك كنت قد نسيت أنها ما زالت موجودة فتدرك أن الإنسان يحمل عمره كله معه، وإن بدا للناس أنه لا يحمل إلا يومه.
يمضي الزمن، ونمضي معه، تتبدّل وجوهنا وأيامنا وأولوياتنا، ونظن أن المسافة بيننا وبين الأمس تكبر، لكنها في الحقيقة لا تفعل إلا أن تعلمنا كيف ننظر إليه من بعيد؛ لا لنعيش فيه، ولا لنستعيده، وإنما لنفهم شيئًا عن الطريق الذي أوصلنا إلى هنا.
وربما أجمل ما في الذكريات أنها لا تطلب منا العودة إليها؛ يكفي أنها مرّت بنا يومًا، ثم تركت فينا ما يجعلنا نحن الذين نحن عليه الآن...
September 13, 2026 133 2