حقيقة البوصيري والبُوصِيري كان ممقوتًا؛ لإطلاقِ لِسانه في الناس بكلِّ قَبيحٍ، وذِكره لهم بالسُّوءِ في مجالس الأُمراء والوزراء(19)، سيِّئ الخُلُق مع زوجتِه وغيرِها، شَحَّاذًا، مُضطربًا في شخصيتِه، فتارةً يَمدحُ النَّصارى ويذُمُّ اليهود، وتارةً يمدحُ اليهودَ؛ إرضاءً للنصارى، وتارة يذمُّ الاثنين معًا(20)، وكان كثيرَ المدحِ للسَّلاطين؛ طمعًا فيما عندهم، وهذا ليس غريبًا على الشُّعراء، لكنَّه ليس مِن صنيعِ العُلماء، أضِفْ إلى ذلك أنَّ له أبياتًا كثيرةً في البُردة والهَمزيَّة وبقيَّة قَصائِده الواردةِ في دِيوانه، فيها من الغلوِّ ما يُصدِّق قولَ مُنتقديه فيه، وإليك جوانبَ ممَّا ذُكِر: أمَّا سوءُ خُلقه مع زوجتِه، فقد ذمَّها وأشارَ إلى اتِّهامها بالفاحشةِ في قَصيدةٍ طويلةٍ، وفي القصيدةِ من الفُحش والفُجور والفِسق ما فيها، نسألُ الله السَّلامة والعافية؛ ومنها قولُه: وَبَليَّتي عِرسٌ بُلِيتُ بمقتها والبَعلُ ممقوتٌ بغير قيامِ جَعَلَتْ بإِفْلاسِي وَشَيْبِيَ حُجَّة إِذَا صِرتُ لا خَلْفِي ولا قُدَّامي بلغَتْ مِن الكِبَرِ العِتيَّ ونُكِّست في الخَلقِ وهْي صَبيَّةُ الأَرحامِ إنْ زُرْتُها في العامِ يَوْمًا أنْتَجَتْ وَأتَتْ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ بِغُلامِ أوَ هَذِه الأولادُ جاءتْ كُلُّها مِن فِعلِ شَيخٍ ليسَ بالقوَّامِ؟! وأَظنُّ أنَّهمُ لعُظْمِ بَليَّتي حَمَلتْ بِهم لا شكَّ في الأَحْلامِ أوَ كُلَّ ما حَلِمتْ به حَمَلتْ به؟ مَن لي بأنَّ الناسَ غيرُ نِيامِ؟ يَا لَيتَها كانتْ عَقِيمًا آيسًا أوْ لَيْتَنِي مِن جُملةِ الُخدَّامِ أوْ لَيْتَني مِن قَبلِ تَزويِجي بها لوْ كُنتُ بِعتُ حَلالَها بحَرامِ! أوْ لَيْتني بعضُ الَّذين عَرَفتُهم ممَّنْ يُحصِّنُ دِينَه بغُلامِ(21)! ففي البيت الخامس يُشكِّك أنْ يكون أولادُه من كثرتهم أتَتْ بهم زوجتُه منه وهو شيخٌ ليس بالقوَّام! وفي التاسع تَمنَّى لو استبدلَ حلالها وهو الزواج بحرامٍ حتى لا يتحمَّلَ تبعةَ الأبناء، وفي العاشر تمنَّى لو أنَّه حصَّن دِينَه بغُلام بدلًا عن زوجةٍ، كبعض الذين يعرفهم! والعياذُ بالله. وكانَ مُضطرِبَ الشخصيةِ يَسيرُ مع هوى نفْسه وطَمعِها، فلمَّا لمْ يُهدِ له النصارى طعامًا في عِيدهم- عيد المسيح كما يزعمون- هَجاهم، ومدَحَ اليهودَ؛ نكايةً فيهم فقال: يَهودُ بِلبِيس(27) كُلَّ عِيدٍ أفضلُ عِندي من النَّصارى أمَا ترَى البَغْلَ وَهْوَ بغلٌ في فَضلِه يَفضُلُ الحِمارَا(28) فلمَّا هدَّده النصارى تراجَع ومدحَهم وذمَّ اليهود، فقال: مَا للنَّصارى إليَّ ذنبٌ وإنما الذَّنبُ لليهودِ وكيفَ تَفضيلُهم وفيهم سِرُّ الخنازيرِ والقُرودِ(29). أمَّا مدحُه لسلاطين زمانِه مستجديًا ما عندهم، فحدِّث ولا حرجَ! ودِيوانه مليءٌ بذلك(30) ولا تَخلو كثيرٌ من قَصائدِه من الغلوِّ في الممدوحِ، وإليك نَزرًا يسيرًا منها: فمِن ذلك قولُه يمدحُ الوزيرَ زينَ الدِّين الصاحبي بقوله: أَهلُ التُّقى والعِلم أهلُ السُّؤددِ فأَخو السِّيادةِ أحمدُ بنُ مُحمَّدِ الصَّاحبُ بنُ الصَّاحبِ بنِ الصَّاحِبِ الــ ـحَبرُ الهُمامُ السَّيِّدُ ابنُ السَّيِّدِ لا تُشرِكنَّ به امرأً في وصْفِه فتكونَ قد خالفتَ كُلَّ مُوحِّدِ(31). وفي البيتِ الأخير غلوٌّ ظاهرٌ. منقول قِراءَةٌ جديدة في بُردة البُوصِيري وشِعْرِه
حقيقة البوصيري والبُوصِيري كان ممقوتًا؛ لإطلاقِ لِسانه في الناس بكلِّ… — موسوعة الكتب المصورة السلفية — TG.ME
August 27, 2026 863 6