تكاد هذه الفكرة أن تصطدم بأفكار من جهات عدة متداخلة: منطقية وفلسفية ولاهوتية، فيزيائية ورياضية، بيولوجية ونفسية!
لقد تطايرت في ذهني أفكار شتى تحت هذا العنوان عبر أشهر وإن ما يلي هو ما استطعت أن أشمله
فلنبدأ بالقسم الأول:
١- التركيب والانحلال (حتمية الفناء فلسفياً):
كل كيان مادي (أجساد، أنهار، أشجار، نيران) هو بالضرورة مركب من أجزاء وعناصر (خلايا، ذرات، جزيئات). ومن أبسط النتائج التي تترتب على طبيعة الموجود المركب أن: «ما كان مركباً فهو قابل للتجزئة، وما قبل التجزئة فهو عرضة للتغير والانحلال».
الخلود يتطلب ثباتاً مطلقاً أو استدامة ذاتية لا نهائية، والمادة بطبيعتها تفتقر لهذه الاستدامة. لذلك فإن دمج «المادة» (المقيدة بالتغير والزمان والمكان) مع «الأبدية» (اللامحدودة) هو جمع بين نقيضين وهو يعادل قولنا «مربع دائري».
٢-. السعة العصبية (استحالة الوعي المادي اللانهائي):
الوعي والإدراك في الإطار المادي يعتمدان حصراً على بنية عصبية (الدماغ) لتخزين الذكريات وتشكيل الهوية وتجربة الشعور. وهو يمتلك سعة تخزينية وحالات ترابطية محدودة.
فلكي يعيش الإنسان المادي إلى الأبد، سيحتاج دماغه إلى تسجيل عدد لا نهائي من الأحداث. ورياضياً، المساحة المحدودة لا تحوي معلومات لا نهائية. وإننا الآن أمام إحدى الاحتمالين: إما أن يصل الدماغ لـ «الامتلاء التام» ويتجمد الوعي (وهو نوع من الفناء)، أو أن يمسح الذكريات القديمة باستمرار مما يعني محو هوية الشخص تدريجياً. فالذي سيعيش بعد مليار سنة ليس هو الشخص ذاته، بل نسخة أخرى فاقدة للذاكرة المتصلة.
وهنا تظهر معضلة الهوية التي عالجتها الفلسفة منذ زمن طويل فيما عرف بـ«سفينة ثيسيوس»: إذا استبدلت أجزاء الشيء تدريجيا، فهل يبقى الشيء نفسه أم يصبح شيئاً آخر؟
٣- الغاية والعبثية المطلقة
الوجود المادي مقترن دائماً بالعملية والوظيفة. فمثلاً نحن نأكل لنشبع ونبقى
الأفعال المادية هي وسائل لغايات. وعليه؛ إن الوسيلة التي لا تنتهي تفقد معناها، والغاية التي لا تتحقق تجعل الفعل عبثاً.
بناء عليه، فإن عذاباً جسدياً لا نهائياً لا يؤدي إلى موت (كنتيجة طبيعية) هو حركة مادية مفرغة من أي معنى. وبالمثل إشباع الرغبات المادية في الجنة بلا انقطاع وبلا غاية تطويرية أو بقائية، يحيل الوجود المادي إلى حالة من العبث المطلق والوظيفة الأبدية التي تناقض ذاتها.
٤- التناهي المكاني ( الحيز والكتلة!):
المادةبحكم تعريفها تشغل حيزاً في الفراغ وتمتلك كتلة. إذا افترضنا خلود أجساد مليارات البشر مادية إلى الأبد مضافاً إليها الأنهار والأشجار والقصور أو سلاسل النار والوديان المادية، فإننا نتحدث عن كتلة مادية وحيز مكاني.
ومنه "المكان المادي" لا يمكن أن يكون لانهائياً بالفعل. احتواء مادة خالدة ودائمة التمدد (طالما أن هناك حركة مستمرة) في حيز مكاني يستلزم إما أن يمتلئ هذا الحيز للدرجة التي تنعدم فيها الحركة (وهو ما يتناقض مع فكرة الحياة في الجنة أو العذاب الحركي في النار)، أو أن المكان يتمدد إلى مالا نهاية وهذا يخالف فكرة أن كل ذي أبعاد هو متناه بالضرورة.
٥-استنفاد الاحتمالات!
(العود الأبدي والتكرار الحتمي)
إذا كان الجسد المادي يعيش إلى الأبد وكان كل فعل أو تجربة أو حالة شعورية تمثل احتمالاً من احتمالات الوجود، فإن استمرار هذه التجارب بلا نهاية يشكك في عدد الحالات الممكنة.
(عدد الكلمات التي يمكن النطق بها، وعدد الأفعال التي يمكن القيام بها، وعدد الحوارات التي يمكن إجراؤها هو عدد ضخم جداً ولكنه يظل "محدود")
فإذا كانت الحالات الممكنة محدودة، فإن تكرارها إلى ما لا نهاية يصبح حتمي إذ لا يمكن لنظام محدود الحالات أن ينتج حالات جديدة إلى الأبد. وعندها يتحول الخلود من «حياة لا تنتهي» إلى تكرار لا نهائي للحالات نفسها.
أما إذا قيل إن الحالات الممكنة غير محدودة، فإن ذلك يقتضي أن تكون البنية التي تحمل هذه الحالات قادرة على استيعاب لا نهاية من التمايزات والتغيرات، وهو ما يثير بدوره سؤالا عن طبيعة هذا الوعاء المادي وحدوده!.
هذه الحالة من "الاستنساخ الأبدي" للأحداث المادية تجعل من الوجود الأخروي مجرد آلة معطلة تعيد تشغيل الأسطوانة ذاتها للأبد، مما يسقط أي قيمة للوعي ويحيله إلى عبث مطبق.

