رحيل الدكتور سامح غريب البدحي: فقدٌ في ميدان تحقيق التراث إنا لله… — مخطوطات مجمع اللغة العربية - دمشق — TG.ME

رحيل الدكتور سامح غريب البدحي: فقدٌ في ميدان تحقيق التراث إنا لله وإنا إليه راجعون تلقّى الوسط العلمي والثقافي نبأ وفاة الدكتور سامح غريب البدحي، الباحث والمحقق في التراث الإسلامي، ببالغ الحزن والأسى، سائلًا الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجزيه عن علمه وخدمته للتراث الإسلامي خير الجزاء، وأن يلهم أهله وذويه وطلابه ومحبيه الصبر والسلوان. كان الدكتور سامح غريب من الباحثين الذين ارتبط اسمهم بمجال تحقيق النصوص التراثية، ولا سيما ما يتصل بالفقه الشافعي وتاريخه وأعلامه ومصادره. وقد اتسمت أعماله بالعناية بالنص المخطوط، ومقابلة النسخ، وضبط العبارات، وتوثيق النقول، والكشف عن مصادر المسائل وأصولها، وهي جوانب تمثل جوهر العمل العلمي في إخراج التراث المخطوط. وتبرز أهمية تجربته بصورة خاصة في عنايته بتراث عدد من كبار علماء المدرسة الشافعية، وفي مقدمتهم تاج الدين السبكي ووالده تقي الدين السبكي، إلى جانب علماء آخرين من طبقات المذهب المختلفة. وقد أخرج في هذا السياق عددًا من النصوص التي كانت بحاجة إلى التحقيق والدراسة، وأسهم بذلك في إتاحة مواد علمية للباحثين في الفقه وأصوله وتاريخ المذهب. ومن أبرز أعماله تحقيق كتاب «عمدة الرابح في معرفة الطريق الواضح» لشمس الدين محمد بن أحمد الرملي، بالاشتراك مع الأستاذ أشرف صيقلي، وهو عمل يتصل بتراث أحد أبرز أئمة الشافعية المتأخرين، ويكشف عن طبيعة الجهد الذي يتطلبه إخراج النصوص الفقهية القديمة؛ إذ لا تقتصر المهمة فيها على تصحيح الكلمات، وإنما تمتد إلى مقارنة الأصول الخطية، وتحديد مصادر النقول، وفهم المصطلحات، ومتابعة تطور القول الفقهي داخل المذهب. كما شارك في تحقيق «ترشيح التوشيح وترجيح التصحيح» لتاج الدين السبكي، وهو من النصوص ذات الصلة باختيارات والده الإمام تقي الدين السبكي وترجيحاته. ويكتسب هذا العمل أهمية خاصة للباحثين في تاريخ الفقه الشافعي؛ لما يمثله تراث السبكيين من مرحلة مهمة في تطور صناعة الفتوى والترجيح والتحرير داخل المذهب. وامتد نشاطه في التحقيق إلى نصوص أخرى من التراث الشافعي، من بينها أعمال مرتبطة بتراث البلقينيين، بما يعكس اتساع اهتمامه بالنصوص التي تحتاج إلى خدمة علمية دقيقة قبل أن تصبح متاحة للدارسين. وتكمن قيمة المحقق في مثل هذه المشاريع في أنه يعمل في منطقة تقع بين المخطوط والدراسة الحديثة؛ فهو يتعامل مع النسخة الخطية بوصفها شاهدًا تاريخيًا على تداول النص، ويقارن بين الروايات والنسخ، ويحاول الوصول إلى أقرب صورة ممكنة للنص الذي تركه مؤلفه. ومن ثم فإن أثر المحقق لا يظهر دائمًا في صورة مؤلفات شخصية كثيرة، وإنما يظهر في الكتب التي أعادها إلى دائرة التداول العلمي بعد أن كانت حبيسة الخزائن أو متداولة في نسخ غير محررة. ومن الجوانب اللافتة في الشهادات التي قيلت في رثائه الجمع بين التحقيق والتدقيق والتواضع والبذل؛ وهي صفات ذات دلالة في بيئة البحث التراثي، حيث يحتاج العمل إلى صبر طويل، وإلى دقة في التعامل مع المصادر، وإلى أمانة في نسبة الأقوال والاختيارات إلى أصحابها. ويأتي رحيله في وقت لا تزال فيه خزائن المخطوطات الإسلامية تضم آلاف النصوص التي تنتظر الفهرسة والتحقيق والدراسة، مما يجعل فقد المحقق المتخصص خسارة تتجاوز الجانب الشخصي إلى المجال العلمي الذي كان يعمل فيه. فكل محقق يترك وراءه مجموعة من النصوص التي خدمها، ومناهج في التعامل معها، وخبرة تتناقلها الأجيال من خلال الكتب والأعمال التي أنجزها. وإذا كان من طبيعة العلم أن يبقى بعد أصحابه، فإن من أوجه الوفاء للعلماء والمحققين إعادة قراءة أعمالهم، وتقويمها، واستكمال ما بدأوه، والتعريف بمشروعاتهم العلمية؛ فذلك هو الطريق الذي تستمر به حركة تحقيق التراث، وتتراكم به الجهود بدل أن تنقطع برحيل أصحابها. رحم الله الدكتور سامح غريب البدحي، وغفر له، ورفع درجته، وجعل ما قدمه من علم وتحقيق وخدمة للتراث في ميزان حسناته، ونفع بآثاره الباحثين وطلاب العلم. اللهم اغفر له وارحمه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واجزه عن العلم وأهله خير الجزاء، وألهم أهله وذويه وطلابه ومحبيه جميل الصبر وحسن العزاء. إنا لله وإنا إليه راجعون. #سامح_غريب #تحقيق_مخطوطات #علم_نافع #زكاة_العلم_نشره 🔹 أ.د. سامح غريب البدحي، أستاذ التخدير والعناية المركزة بجامعة المنصورة

September 1, 2026 135