"ومن أعمق ما يعيد ترتيبَ الرَّغبة في النَّفس خاتمةُ دعاء الاستخارة: «واقدُر لي الخيرَ حيث كان، ثمّ أرضِني به»، فأنت لا تطلب من اللّٰه أن يبارك اختيارك فحسب، بل أن يحرِّرك من اختيارك إن كان الخيرُ في غيره، و«حيث كان» إعلانٌ بأنَّ الخير قد يكون في جهةٍ لم تنظر إليها، و«أرضني به» اعتراف بأنَّ المشكلة لا تنتهي دائمًا بحصول الخير؛ فقد يأتيك الخيرُ ويبقى قلبُك مُعلَّقًا بما فات، فتعيش داخل النِّعمة بروح المحروم.
ابذل السَّبب كاملًا، لكن لا تسلِّمه قلبك، وألحَّ في الدّعاء، لكن لا تحوِّل الإلحاح إلى اعتراضٍ مؤدَّب العبارة، فقد يبقى الباب مغلقًا، ولا يأتيك تفسيرٌ يرضي فضولك، لكنَّ اللّٰه يفتح فيك ما هو أبقى من فتحه: سعةَ التَّصور، وحرِّيةالقلب، وهدوء الثِّقة، والقدرةَ على مواصلة الطَّريق من غير أن تظلَّ واقفًا عند عتبته.
وحينئذٍ تدرك أنَّ نجاتك لم تكن في أن يُفتح لك بابٌ بعينه، بل في ألا تُغلق رحمةَ اللّٰه داخل بابٍ واحد: ﴿وَعِندَهُ مَفاتِحُ الغَيبِ لا يَعلَمُها إِلّا هُوَ﴾
46August 21, 2026 2.7K 47