والضد يظهر حسنه الضد *** وبضدها تتميز الأشياء الفرح عند من لم يذق الألم والابتلاء ربما قد يكون مجرد لحظة عابرة، أما صاحب الابتلاء والأحزان فهو يعرف حقًا ماذا تعني لحظة الفرح وماذا تعني لحظة العافية؛ إنها روح طال مقامها في العتمة، والفرح بالنسبة إليها نافذة انفتحت فجأة في جدار الظلام. ولهذا، فإن من اعتاد أن يحمل قلبه بصمت، وأن يبتلع خيباته دون أن يراها أحد، لا يستقبل الفرح كما يستقبله الآخرون؛ إنه يرتجف أمامه، كمن وجد بعد طول تيه طريقًا إلى بيته المفقود. يبتسم، لكن وراء ابتسامته أعوام من الانتظار، ودموع لم تجد وقتا لتسقط، وأمنيات ماتت واقفة عند أبواب الرجاء. ولذلك، تجد الحزين يفرح بأشياء صغيرة، ويمتن لأقل الأشياء، ويثمنها، فأنت تراها لحظات معتادة، وهو يرى نجاة قادمة. إن أكثر الناس معرفة بقيمة الضوء ليسوا أولئك الذين عاشوا تحته، بل الذين عرفوا الليل حتى حسبوه حتمًا دائمًا، وأكثرهم امتنانا للدفء ليسوا من لم يعرفوا البرد، بل من ارتجفت أرواحهم طويلاً وهم يبحثون عن يد تطمئنهم. لهذا يبدو فرح الحزين مختلفًا؛ يكون عميقا إلى الحد الذي يخيفه، فيلمس الفرح بحذر، كأن قلبه لا يصدق أن شيئًا جميلاً حدث له، وربما لهذا تدمع عيناه حين يضحك؛ فهذه الأفراح بالنسبة إليه لا تفتح باب السرور فقط، بل تفتح معها كل الأبواب التفاؤل التي أُغلقت باليأس. فصاحب الأحزان الذي لم يفرح كثيرًا، حين يفرح يفرح بكل ما فيه؛ يفرح عن الطفل الذي خذلته الحياة، وعن الرجل الذي طال انتظاره، وعن القلب الذي ظل واقفًا رغم كل ما انكسر فيه. ولعل أجمل ما في الفرح بعد الحزن أنه لا يكون مجرد شعور بالسعادة، بل شهادة صامتة بأن الروح، رغم كل ما مر بها، لم تمت، وأن التفاؤل وحسن الظن بالله لم يضع هباءً، وأن العاقبة لمن بذل الأسباب التي يقدر عليها ثم رمى أثقاله كلها بين يدي ربه، ووقف وكله رجاء وثقة بأنه سيفتح له الباب.
والضد يظهر حسنه الضد *** وبضدها تتميز الأشياء الفرح عند من لم يذق… — خواطري — TG.ME
August 26, 2026 2.1K 25