الفرح والعافية من أجلِّ النعم التي يفيض الله بها على عباده، غير أن دوامها قد يكون حجابًا خفيًّا عن إدراك عظمتها؛ فالإنسان يألف ما يتكرر حتى يراه مألوفًا لا منحة، ومعتادًا لا فضلًا، وكأن العافية هي الحالة الأصلية التي لا يُتصوَّر انقطاعها، وكأن الفرح حقٌّ مقيم لا يوشك أن يرحل. ومع طول الألفة يخفت في النفس بريق النعمة، ويبهت الشعور بفضلها، ويتراجع الامتنان من القلب حتى لا يستيقظ إلا حين يطرق الألم بابًا كان مفتوحًا للعافية، أو يغيب الفرح الذي ظُنَّ أنه لا يغيب. ولعل من أعمق مفارقات النفس البشرية أنها لا تعرف قيمة بعض النعم إلا بعد أن تفقدها؛ إذ لا يشعر المرء بثقل المرض إلا حين تضعف صحته، ولا بوحشة الحزن إلا حين ينطفئ في داخله ذلك النور الذي كان يملأ أيامه من غير أن يلتفت إليه. ومن هنا، فإن الشكر ليس مجرد استجابة لنعمة عارضة، بل هو يقظة روحية تحفظ للنعمة حضورها في القلب والجسد، وتمنع الاعتياد من أن يحول المعجزة اليومية إلى أمرٍ عابر، وتعلم الإنسان أن يرى في عافيته لطفًا، وفي فرحه عطية، وفي كل يوم يمضي دون وجع فضلًا يستحق أن يُستشعر قبل أن يُفتقد.
36
3August 24, 2026 2.5K 33