(1/2) الإنسان لا يملك أشياء كثيرة كبيرة، لكنه يملك أشياء بسيطة لكنها عميقة. إنه يملك الكلمة الطيبة؛ رأس مال صغير لكن أثره في النفوس كبير جدًا، وهي الزاد في هذه الحياة. فالكلمة الطبية تشبه البذرة الطيبة، إنها تبدو في ظاهرها شيئًا ضئيلًا لا يكاد يُرى، لكنها تحمل في داخلها شجرة كاملة، وظلًا وارفًا، وثمرًا قد لا نعرف متى يأتي، ولا في أي قلب سيظهر. ومهمة الإنسان النبيل تشبه مهمة مزارع فقير؛ يقبض في يمينه حفنة من الحبوب، ويمضي في طريق الحياة، لا يملك أن يختار الأرض التي ستستقر فيها بذوره، ولا أن يضمن لها المطر، ولا أن يأمر الشمس أن تشرق عليها، فكل ما يستطيع أن يفعله هو أن ينثرها هنا وهناك، وفي هذا القلب، وفي ذلك القلب، ثم يمضي، مؤمنًا بأن بعض البذور لا تموت، وإنما تنتظر أرضها. يلقي حفنة فسقط على صخرة، ويرمي أخرى فسقطت على قارعة الطريق، وثالثة فتستقر في أرض خصبة، لكنها مثقلة بالشوك، ورابعة فسقطت في أرض خصبة نقية، كأنها كانت تنتظرها منذ زمن. الكلمات هي تلك البذور، والمواضع التي سقطت عليها تلك البذور كانت القلوب. وما أعجب أمر القلوب! قد تسمع الكلمة نفسها في مجلس واحد، فتدخل قلبًا كأنها لم تُسمع، وتوقظ في قلب آخر شيئًا كان نائمًا منذ أعوام، وقد تجعل قلبًا ثالثًا يبكي، ثم يعود بعد ساعة إلى ما كان عليه. ليست المشكلة دائمًا في البذرة، بل قد تكون أحيانًا في الأرض. فالبذرة التي سقطت على الصخر، هي كلمة تصل إلى القلب فتلمسه، وربما أوجعته، وربما أدمعت عينه للحظة، لكنها لا تجد في أعماقه موضعًا تتشبث به. فالقلب الذي امتلأ بالتبرير والغفلة والصدود قد يتأثر بالحق، لكنه لا يسمح له أن يتجذر فيه، فيسمع الكلمة، ثم يحاصرها بما راكمه من أوهام وخطايا، حتى تموت قبل أن تتحول إلى حياة. وكم من إنسان بكى عند سماع الموعظة، ثم خرج منها كما دخل، ليس لأن الكلمة لم تكن صادقة، بل لأن الصدق يحتاج قلبًا يفسح له مكانًا. وأما البذرة التي سقطت على قارعة الطريق، فهي كلمة تصل إلى القلب، وتوشك أن تنبت فيه، ثم لا تلبث أن تُدهس تحت أقدام العابرين. إنها حال من يتأثر بالخير، ويشعر أن في داخله شيئًا قد تغير، ثم يعود إلى البيئة التي تستهلك عزيمته، وإلى صحبة تستخف بما عزم عليه، وإلى أصوات كثيرة تسخر من ضعفه حين يحاول أن يكون أفضل. فبعض القلوب لا تقتل بذرتها بنفسها؛ بل يكفيها أن تترك أبوابها مفتوحة لكل عابر، فتأتي صحبة السوء، أو ضغط المحيط، أو السخرية، فتطأ ذلك النور الصغير قبل أن يشتد عوده. وأما البذرة التي سقطت في أرض خصبة، ولكنها مليئة بالشوك، فهذه ربما كانت أشد الأراضي إيلامًا؛ لأن البذرة فيها لا تموت من أول وهلة، بل تنبت، فتتغير النفس قليلًا، وتلين، وتشتاق، وتندم، وتبدأ في رؤية الحياة بعين أخرى أكثر بصيرة، لكنها، في الوقت نفسه، تحمل في أعماقها أشواكًا لم تقتلع. قد تكون شهوة خفية، أو معصية سرية، أو تعلقًا لا يريد الإنسان أن يعترف به، أو عادة يبررها لنفسه كل يوم، أو جرحًا قديمًا يتحول مع الزمن إلى قسوة، أو رغبة في الدنيا تزاحم رغبة الآخرة. وهنا تبدأ المعركة الصامتة، فالكلمة الطيبة تنبت، ولكن الشوك ينبت معها؛ حتى يعلو عليها، ويحجب عنها الضوء، ويستنزف ماءها، ويمنعها من أن تبلغ ثمرتها. ولعل أخطر ما في هذا القلب أنه لا يشعر بأنه ميت؛ بل يشعر بأنه حي، لأنه يتأثر، ويبكي، ويعرف الحق، وربما يشتاق إليه، لكنه لا يملك الشجاعة الكافية لاقتلاع الشوك الذي يخنق الحق في داخله. أما البذرة التي سقطت في الأرض الخصبة الرائعة، فهذه هي القلوب التي إذا دخلتها الكلمة لم تكن ضيفًا عابرًا، بل وجدت فيها بيتًا، فهي القلوب الرحيمة، التي لم تفسدها القسوة، ولا تستثقل الحق، المتواضعة التي لا ترى في التراجع عن الخطأ هزيمة، والنقية التي إذا عرفت الله أحبت أن تزداد منه قربًا. ففي مثل هذه القلوب تنزل الكلمة هادئة، ثم تبدأ رحلتها العميقة: فكرةً، ثم شعورًا، ثم يقظة، ثم ندمًا، ثم قرارًا، ثم عملًا، ثم تصبح بعد زمن جزءًا من شخصية الإنسان، حتى ينسى أنه كان يومًا لا يعرفها. وهناك، حين تنبت البذرة، لا يعود فضلها إلى المزارع وحده؛ فالمزارع يلقي البذرة، أما الذي يحييها فهو الله.
1/2) الإنسان لا يملك أشياء كثيرة كبيرة، لكنه يملك أشياء بسيطة لكنها… — خواطري — TG.ME
August 20, 2026 2.3K 21