لكل إنسان أملٌ يتطلع إليه، ومعنى يمد في روحه خيطًا خفيًّا إلى الغد،… — خواطري — TG.ME

لكل إنسان أملٌ يتطلع إليه، ومعنى يمد في روحه خيطًا خفيًّا إلى الغد، وما دام الأمل حيًّا، فسيظل في النفس متسعٌ للصمود؛ فإذا خبا نوره، لم ينطفئ المستقبل وحده، بل اضطربت في الداخل خرائط الطريق، وتسلل اليأس إلى مواضع كان يظنها الإنسان عصية عليه. فالإنسان لا يرى الأمل بوصفه شعورًا عابرًا، بل بوصفه عروة يتمسك بها في رحلته في هذه الحياة.
ولهذا، فإن أكثر ما يخشاه المرء هو أن يتغير الأمل؛ لأن تغيره يعني سقوط الصورة الأخيرة التي أقام عليها قلبه ما بقي من قدرته على الاحتمال، ولكل إنسان ورقة من بقايا الأمل لا بد أن يحتفظ بها، فالأمل والتفاؤل كالنور في طريق متعرج ومظلم. والبشر بطبيعتهم ضعفاء، هذا هو الأصل فيهم مهما يظهر من مظاهر توحي بها القشرة الخارجية. فكم من روح يراها الناس ثابتة؛ ويقرؤون كلماتها فيجدون فيها عزاء، ويسمعون صوتها فيستمدون منه الطمأنينة، ويرون ابتسامتها فيحسبون أن خلفها قلبًا لا تهزه الرياح. ولم يعلموا أن كثيرًا من كلماتها لم تكن إلا رسائل تكتبها إلى نفسها، وأن ابتسامتها كانت تجلدًا يرتدي ثوب الفرح، وأنها كانت تمنحهم من النور ما كانت يبحث عنه في أعماقها.
فالإنسان، مهما بدا صلبًا، فهو أرق مما يظن الآخرون، فإنه تكفي نسمة واحدة في الموضع الخطأ لتطفئ شمعة قاومت طويلًا. ومع ذلك، فإن تلك الروح بإيمانها كانت تفرح كلما لمحت الأمل من بعيد؛ كأنه نجمٌ يوشك أن يفتح في العتمة نافذة، أو كأنه زهرة لا ترتبط بفصل، تراها في الشتاء صامدة في وجه الصقيع، وفي الصيف ظلًّا وماءً، وفي الخريف شموخًا لا يستسلم لتساقط الأشياء، وفي الربيع حياة كاملة تتفتح في ابتسامة طفل، وفي جناح طائر، وفي قرص الشمس حين يصعد من وراء الهضاب.
لم يكن الأمل عندها أن تكون الحياة كلها جميلة وسهلة؛ بل أن تظل قادرًة على رؤية النعمة والجمال حين تكون الحياة صعبة وقاسية. لقد كانت تتذكر دومًا قصة رسام أنقذ طفلة عليلة بورقة. إذا أن طفلة كانت قد تعلقت بشجرة إلى جوار بيتها، حتى غدت الشجرة عندها أكثر من شجرة؛ غدت وعدًا بالحياة. فلما جاء الخريف وأخذت الأوراق تتساقط، أخذ المرض واليأس يتسللان إلى روحها؛ حتى ظن أهلها أن سقوط الورقة الأخيرة سيكون سقوطها هي. ومصادفة مر رسامٌ غريبٌ، فرأى المشهد، وفهم ما لم يفهمه الآخرون: أنها علقت حياتها برمز صغير، وأن ورقةً واحدة قد تكون في قلب مكلوم أثقل من شجرة كاملة. وحين جاء الشتاء، لم يبق على الشجرة إلا ورقة وحيدة، ظلت معلقةً في وجه الريح والصقيع، كأنها تقول: لست أقاوم من أجل نفسي؛ أنا الأمل الذي يجب أن يبقى. وفي تلك الليلة، صعد الرسام في البرد إلى الشجرة التي كانت بجوار حائط، ورسم ورقة على أحد أغصانها، ورقة لا تستطيع الريح اقتلاعها. ثم عاد إلى كوخه مرتجف اليدين، لكنه كان يشعر بدفءٍ لا علاقة له بالنار.
استيقظت الفتاة صباحًا، فرأت الورقة لم تسقط، فألهمها ذلك بأن تقاوم هي أيضًا كما قاومت تلك الورقة اليتيمة. ومضى الشتاء، وجاء الربيع، فعادت الشجرة إلى اخضرارها، وعادت الحياة إلى الفتاة. ولم تعلم أن الورقة التي أنقذتها لم تكن من الشجرة، بل من قلب غريب بذل نفسه كي لا ينطفئ الأمل في قلب آخر. مات الرسام متأثرًا ببرد تلك الليلة، لكنه ترك وراءه حياة لم يكن يعلم أنها ستستمر بسبب ورقة رسمها بيد مرتجفة.
وهكذا كانت تفهم الأمل، فقد لا يكون المطلوب أن تنقذ العالم؛ يكفي أحيانًا أن تمنع شخصًا واحدًا من السقوط، تنقذ نفسك، تنقذ من حولك. ولهذا، كانت تقول لنفسها: كلماتي التي أظنها عابرة هي الحبل الأخير في يد روح على حافة اليأس، وربما كانت ابتسامتي التي أخفي بها انكساري هي النافذة الوحيدة التي يرى منها أحدهم شيئًا من الضوء، فما دام في الروح شيءٌ يقاوم، فليس كل شيء قد انتهى.
❤22👍3👏2
August 19, 2026 2.4K 32