من رسالة من نيكوس كازانتزاكيس إلى زوجته إليني سامو (ربيع 1925)
أُكابد مخاض الكتابة في هذه الأيام، وأشقى لأبعث من مرقدها أرواح أسلافنا الغابرين في كنوسوس. إنني أعيش الرؤيا بكامل فيضها وتجلياتها: أرى الوجوه فأبكي وأضحك، وأموت وأعشق، مع أولئك النسوة المزيّنات بالألوان وحاسرات الصدور، ومع أولئك الرجال الأباة ممشوقي القوام، إلى أن يطلّ أوديسيوس ليدكّ صروح حضارتهم المتداعية.
لم تغمرني جذوة هذه النشوة الروحية الخالصة إلّا مرتين أو ثلاثاً في حياتي: مرة بعنفوان عاصفة في جزيرة سيفنوس، وأخرى في جبل آثوس، ثم في قرية سويسرية على مشارف لوغانو، وأخرى في ألمانيا قريباً من يينا... إذن، لم تكن مرتين أو ثلاثاً فقط، بل مراتٍ عديدة والحمد لله. يخالجني شعور بأنني وُلدتُ في هذه اللحظة، وبأنني استنقذتُ روحي بشقّ الأنفس، وسأجتهد من الآن فصاعداً لأبقي جذوة هذه النشوة متقدةً في تفاصيل حياتي اليومية بكل بساطة وتلقائية.
فرغتُ حتى الآن من نظم الأناشيد الخمسة الأولى من ملحمة "الأوديسة"، أي ما يناهز خمسة آلاف بيتٍ من الشعر. وحتى أبلغ النشيد الرابع والعشرين، سيغمرني فيض من الأفراح والأحزان. لقد بات "أوديسيوس" ليلته اليوم بجانب "هيلانة" الإسبرطية في باحة قصر "كنوسوس" رافعاً بصره نحو النجوم، وغداً سأقوده إلى داخل القصر:
"استحال هذا القصرُ رماداً في مَحرقةِ سيّده،
كما احترق ملوكُه مع قمحهم وجرارهم وأطفالهم.
دنا عابرُ الليلِ من القصر، وارتقى الدرَجَ وئيداً ثم هبط،
تفقّد الأعمدةَ ليختبر متانتها،
وقرع الجدرانَ، وضحك وهو يقبض على مزاليج الأبواب الثقيلة هاتفاً:
"هذه ستصدّ لظى النار ولن تنفتح،
بينما تلتهم ألسنةُ اللهب القلعةَ وتدكّ عروشها".
6
5August 20, 2026 1K 7