📜🌿 عَمْرُو بْنُ قُمَيئَةَ... شَاعِرُ الشَّيْخُوخَةِ وَغَرِيبُ الطَّرِيقِ ✨
لَيْسَ الْخُلُودُ بِطُولِ الْأَعْمَارِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بِمَا يَتْرُكُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ أَثَرٍ بَاقٍ فِي النُّفُوسِ وَالْعُقُولِ. فَقَدْ يَطْوِي الْمَوْتُ الْجَسَدَ، غَيْرَ أَنَّ الْكَلِمَةَ الصَّادِقَةَ، وَالْبَيْتَ الْبَلِيغَ، وَالْمَوْقِفَ النَّبِيلَ، تَظَلُّ حَاضِرَةً فِي ذَاكِرَةِ الْأَجْيَالِ.
وَمِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَلَّدَهُمُ الشِّعْرُ الْعَرَبِيُّ الشَّاعِرُ الْجَاهِلِيُّ عَمْرُو بْنُ قُمَيئَةَ، الَّذِي ارْتَبَطَ اسْمُهُ بِشِعْرٍ صَادِقٍ يُصَوِّرُ تَقَلُّبَ الدَّهْرِ، وَوَهْنَ الشَّيْخُوخَةِ، وَتَأَمُّلَ الْإِنْسَانِ فِي رِحْلَةِ الْعُمُرِ وَاقْتِرَابِ نِهَايَتِهَا.
وَلِقِلَّةِ الْمَعْلُومَاتِ التَّارِيخِيَّةِ الْمُوَثَّقَةِ عَنْهُ، امْتَزَجَتْ سِيرَتُهُ بِالرِّوَايَاتِ الْأَدَبِيَّةِ؛ فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْأَخْبَارِ وَالْبَاحِثُونَ فِي بَعْضِ تَفَاصِيلِ حَيَاتِهِ وَرِحْلَتِهِ، وَفِي نِسْبَةِ بَعْضِ الْأَشْعَارِ وَالْأَخْبَارِ إِلَيْهِ.
وَتُنْسَبُ إِلَيْهِ قَصَائِدُ يَكْثُرُ فِيهَا الْحَدِيثُ عَنِ الْكِبَرِ، وَمَا يَجُرُّهُ مِنْ ضَعْفِ الْجَسَدِ، وَتَبَدُّلِ الْأَحْوَالِ، وَتَقَلُّبِ الْأَيَّامِ، حَتَّى غَدَا شِعْرُهُ مِثَالًا بَارِزًا فِي التَّعْبِيرِ عَنِ التَّجْرِبَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ فِي مُوَاجَهَةِ الزَّمَانِ.
🏛️ وَتَذْكُرُ كَثِيرٌ مِنْ كُتُبِ الْأَدَبِ وَالْأَخْبَارِ، مَعَ اخْتِلَافِهَا فِي بَعْضِ التَّفَاصِيلِ، أَنَّ عَمْرُو بْنَ قُمَيئَةَ كَانَ مِمَّنْ صَحِبُوا امْرَأَ الْقَيْسِ فِي رِحْلَتِهِ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، حِينَ قَصَدَ قَيْصَرَ مُسْتَنْصِرًا بِهِ لِاسْتِرْدَادِ مُلْكِ أَبِيهِ، وَلَمْ تَمْنَعْهُ شَيْخُوخَتُهُ وَلَا وَهْنُ جَسَدِهِ مِنْ مُلَازَمَةِ صَاحِبِهِ فِي تِلْكَ الرِّحْلَةِ الشَّاقَّةِ.
وَتُفِيدُ بَعْضُ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي طَرِيقِهِ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، بَعِيدًا عَنْ أَهْلِهِ وَوَطَنِهِ، بَيْنَمَا تَذْكُرُ رِوَايَاتٌ أُخْرَى أَنَّهُ عَادَ مِنْ رِحْلَتِهِ، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ زَمَنًا حَتَّى أَدْرَكَ سِنًّا مُتَقَدِّمَةً. وَلِذَلِكَ بَقِيَ اسْمُهُ مُقْتَرِنًا بِالْغُرْبَةِ وَالتَّرْحَالِ، كَمَا بَقِيَ شِعْرُهُ شَاهِدًا عَلَى صِدْقِ تَجْرِبَتِهِ وَعُمْقِ إِحْسَاسِهِ.
وَرَوَى بَعْضُ أَهْلِ الْأَخْبَارِ أَنَّ امْرَأَ الْقَيْسِ قَالَ فِي تِلْكَ الرِّحْلَةِ:
«بَكَى صَاحِبِي لَمَّا رَأَى الدَّرْبَ دُونَهُ
وَأَيْقَنَ أَنَّا لَاحِقَانِ بِقَيْصَرَا»
«فَقُلْتُ لَهُ: لَا تَبْكِ عَيْنَكَ، إِنَّمَا
نُحَاوِلُ مُلْكًا أَوْ نَمُوتَ فَنُعْذَرَا»
وَلَا يَنْعَقِدُ اتِّفَاقٌ بَيْنَ الْبَاحِثِينَ فِي نِسْبَةِ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ، وَلَا فِي تَعْيِينِ الْمُنَاسَبَةِ الَّتِي قِيلَا فِيهَا، غَيْرَ أَنَّهُمَا مِنْ أَشْهَرِ مَا ارْتَبَطَ فِي كُتُبِ الْأَدَبِ بِأَخْبَارِ رِحْلَةِ امْرِئِ الْقَيْسِ إِلَى الرُّومِ.
🍂 وَتَذْكُرُ بَعْضُ الرِّوَايَاتِ أَنَّ عَمْرُو بْنَ قُمَيئَةَ بَلَغَ مِنَ الْعُمُرِ مَبْلَغًا كَبِيرًا، حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ جَاوَزَ التِّسْعِينَ سَنَةً، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَنْعَقِدْ عَلَيْهِ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْأَخْبَارِ.
وَمِمَّا يُنْسَبُ إِلَيْهِ ـ عَلَى خِلَافٍ فِي ثُبُوتِ نِسْبَتِهِ ـ قَوْلُهُ:
«كَأَنِّي وَقَدْ جَاوَزْتُ تِسْعِينَ حِجَّةً
خَلَعْتُ بِهَا يَوْمًا عِذَارَ لِجَامِي»
وَمِنْ أَشْهَرِ مَا يُرْوَى مِنْ حِكْمَتِهِ، وَمَا يَدُلُّ عَلَى عُمْقِ تَأَمُّلِهِ فِي تَقَلُّبِ الدَّهْرِ، قَوْلُهُ:
«رَمَتْنِي بَنَاتُ الدَّهْرِ مِنْ حَيْثُ لَا أَرَى
فَكَيْفَ بِمَنْ يُرْمَى وَلَيْسَ بِرَامِ»
«وَأَهْلَكَنِي تَأْمِيلُ مَا لَسْتُ مُدْرِكًا
وَتَأْمِيلُ عَامٍ بَعْدَ ذَاكَ وَعَامِ»
«إِذَا مَا رَآنِي النَّاسُ قَالُوا: أَلَمْ تَكُنْ
جَلِيدًا حَدِيثَ السِّنِّ غَيْرَ كُهَامِ؟»
📚 كَلِمَةٌ أَخِيرَةٌ
تَبْقَى سِيرَةُ عَمْرُو بْنِ قُمَيئَةَ مِنَ السِّيَرِ الَّتِي تَدَاخَلَ فِيهَا التَّارِيخُ بِالرِّوَايَةِ الْأَدَبِيَّةِ؛ فَقَدْ حَفِظَتْ كُتُبُ الْأَدَبِ وَالتَّرَاجِمِ طَرَفًا وَافِرًا مِنْ أَخْبَارِهِ، مَعَ اخْتِلَافٍ فِي بَعْضِ تَفَاصِيلِ حَيَاتِهِ وَرِحْلَتِهِ وَوَفَاتِهِ.
وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ لَا يَنْقُصُ مِنْ قِيمَةِ تَجْرِبَتِهِ الشِّعْرِيَّةِ، وَلَا مِنْ مَكَانَتِهِ فِي التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ؛ فَقَدْ خَلَّفَ شِعْرًا يَنْبِضُ بِصِدْقِ الْعَاطِفَةِ، وَيُجَسِّدُ مَا يُوَاجِهُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ ضَعْفٍ وَتَقَلُّبٍ وَتَرَقُّبٍ لِمَا يَأْتِي بِهِ الزَّمَانُ.
8
1July 4, 2026 2.6K 4