لماذا تحتاج أن تكون مفهومًا دائمًا؟ تكتب الرسالة طويلةً، ثم تعود… — ✤ صـنعـاء حــوت كـل فـن🇾🇪✤ — TG.ME

🪞 لماذا تحتاج أن تكون مفهومًا دائمًا؟

تكتب الرسالة طويلةً، ثم تعود فتمسح نصفها.

تخشى أن تبدو غاضبًا، فتليّن العبارة.

تخشى أن تبدو ضعيفًا، فتحذف الاعتراف.

تخشى أن يُساء فهم صمتك، فتشرح لماذا ابتعدت.

وتشرح لماذا لم تُجب.

ولماذا رفضت.

ولماذا تغيّرت.

ولماذا لم تعد قادرًا على تقديم ما اعتاد الآخرون أن يأخذوه منك.

ثم تقرأ ما كتبت مرةً أخرى، فلا تطمئن.
تشعر أن الكلمات، على كثرتها، لم تحمل إليهم الحقيقة كاملة.

لأنك لا تريد منهم أن يعرفوا ما حدث فقط.
تريدهم أن يشعروا بما شعرت.
أن يعيشوا التعب الذي سبق قرارك.
أن يروا الليالي التي أرهقتك، والمحاولات التي لم يشهدوها، والأبواب التي طرقتها قبل أن تختار الانسحاب.
تريدهم أن ينظروا إليك من داخل قلبك، لا من خارج الموقف.
أن يعذروك بالطريقة التي تعذر بها نفسك.
أن ينتهوا من قراءة رسالتك، ثم يقولوا:
الآن فهمناك تمامًا. لكنهم لا يقولونها.

قد يختصر أحدهم حكايتك كلها في كلمة:
«أنت تبالغ.»
وقد يسمع آخر شرحك، ثم يعود إلى حكمه الأول كأنك لم تقل شيئًا.
وقد ينظر إليك إنسان من نافذةٍ ضيقة، ثم يصرّ أن ما رآه منها هو البيت كله.
فتغلق المحادثة، لكن الحديث لا يُغلق داخلك.
تبدأ محكمةٌ صامتة في رأسك
تستدعي الموقف من جديد.
وتعيد صياغة الجمل التي كان ينبغي أن تقولها.

وتجمع الوقائع التي تثبت أنك لم تكن قاسيًا كما ظنوا.
ولم تكن جاحدًا. ولا متكبرًا. ولا قليل الوفاء.

تدافع عن نفسك أمام أشخاصٍ قد لا يكونون موجودين أصلًا، وتستمر المرافعة ساعات، وربما أيامًا، كأن راحتك معلّقة على صدور حكمٍ جديد في قضيتك.

وهنا يأتي السؤال الذي ينبغي أن تواجهه بصدق:

متى صار عدم فهم الناس لك خطرًا لا يستطيع قلبك احتماله؟

ليس خطأً أن تحب أن تُفهَم.

فالإنسان يتألم حين يُظلَم، ويضيق حين تُختصر قصته في موقف، ويحزن حين يُنسب إليه قصدٌ لم يقصده.

وليس كل من شرح نفسه ضعيفًا.

ولا كل من دافع عن موقفه أسيرًا لرضا الناس.

فقد يكون البيان واجبًا إذا تعلق بحق.
وقد يكون الصمت ظلمًا إذا أدى إلى إفساد علاقة، أو ضياع أمانة، أو إيذاء إنسان لا يعلم حقيقة ما حدث.
وقد يكون الاعتذار شجاعةً حين تكون قد أخطأت.
وقد يكون التوضيح رحمةً حين يكون للطرف الآخر حقٌّ في معرفة ما يخصه.
لكن الخلل يبدأ في موضعٍ أدق.
حين لا تعود تشرح لتؤدي ما عليك، بل لتتحكم فيما بقي في قلوبهم عنك.
حين لا يكفيك أن تقول الحقيقة، بل تريد أن تضمن أنهم صدّقوها بالطريقة التي ترضيك.

وأن يخرج كل إنسان من الحديث بالصورة التي اخترتها أنت.
وألا يسيء أحد الظن بك.
وألا يتذكر أحد موضع ضعفك.
وألا يراك أحد أقل نقاءً مما تحب أن تبدو

هناك تتحول من إنسانٍ يريد الإصلاح إلى سجينٍ في غرفة الانطباعات.

تظل تمسح الزجاج الذي ينظر الناس إليك من خلاله، ثم تكتشف أن لكل واحدٍ منهم زجاجه الخاص:
منهم من ينظر إليك من خلال جرح قديم.
ومنهم من يراك بعين تجربةٍ لم تعشها.
ومنهم من أساء فهمك لأنه لا يعرف إلا جزءًا من القصة.
ومنهم من أصاب فيك عيبًا كنت تحاول الهرب منه.
ومنهم من حسم حكمه قبل أن يسمعك، ثم صار يفسر كل كلامك بما يؤكد حكمه الأول.

فكيف ستنظف كل النوافذ؟
وكيف ستدخل إلى كل قلب لتعيد ترتيب صورتك فيه؟
وكيف ستمنع إنسانًا من أن يراك من الزاوية التي اعتادها، ولو وقفت أمامه عمرًا تشرح؟

إن الناس لا يرون حياتك من داخلها.
يرون كلمةً، ولا يسمعون المعركة التي دارت في قلبك قبل أن تقولها.
يرون انسحابك، ولا يرون المحاولات الطويلة التي سبقته.
يرون رفضك، ولا يعرفون كم مرةً وافقت على حساب نفسك.
يرون صمتك، ولا يسمعون الضجيج الذي أرهقك حتى لم تعد قادرًا على الكلام.
يرون قرارًا اتخذته في ساعة، ولا يرون سنواتٍ دفعتك إليه.

وقد يخطئون في فهمك.

وقد تصيب ملاحظتهم موضعًا تحتاج إلى مراجعته.

وقد لا يكونون ظالمين تمامًا ولا منصفين تمامًا؛ فالإنسان محدود الرؤية، يرى من موضعه، ويفسر من تجربته، وقد يحمل من مخاوفه وجراحه ما يجعله يقرأ الآخرين قراءةً لا تطابق حقيقتهم كاملة.

لكن المشكلة الكبرى ليست أن الناس لا يفهمونك كاملًا.
فلا أحد من البشر يملك أن يحيط بإنسانٍ آخر إحاطةً تامة.

المشكلة أن تجعل فهمهم شرطًا لسلامك
أن تؤجل هدوءك حتى تتغير نظرتهم.
أن تعتذر عن حقك لأنك لا تحتمل أن يصفك أحد بالقسوة.

أن تبقى في علاقةٍ تستنزفك لأنك تخاف أن يقولوا: لقد تغيّر.

أن تستمر في تقديم ما لا تقدر عليه، لا حبًّا ولا إحسانًا، بل خشية أن تهتز صورتك في أعينهم.

أن تشرح القرار المشروع للمرة العاشرة، لا لأن في الأمر غموضًا، بل لأنك لا تحتمل أن يُكتب عليك في أذهانهم حكمٌ لا تستطيع محوه.

كأنك لا تبحث عن التفاهم، بل عن وثيقة براءة يوقعها كل من عرفك.

وهذه الوثيقة لن تكتمل.
سيبقى هناك دائمًا من لم يسمعك.

ومن سمعك ولم يفهمك.

ومن فهمك ولم يعذرك.

ومن عذرك اليوم ثم لامك غدًا.


✿ اتحفونا بأرائكم لهانا @ALFkamah

ولـهذا البوت @ALFkamah2_bot
August 15, 2026 37