كتاباتي 📜: post #612 — TG.ME

غبار الحكمة


في قديم الزمان، وفي مدينةٍ نائيةٍ تحيط بها الجبال، عاش صانعُ ساعاتٍ عجوز، لم يكن يكتفي بصنع الساعات فحسب، بل كان يضيف على كل واحدةٍ منها روحاً؛ فبعضها يضبط إيقاع الصبر، وبعضها يذكر أصحابها بقيمة اللحظة التي لا تعود.

ذات يوم، زاره شابٌ مغرورٌ من أبناء الأثرياء، يحمل في يده ساعةً ذهبيةً متوقفةً، وقال بتعالٍ: أيها العجوز، أريد منك أن تعيد لهذه الساعة نبضها، فأنا لا أملك وقتاً لأضيعه في الانتظار، وكل ثانيةٍ تمر دون عملٍ هي خسارةٌ من ثروتي.

نظر إليه الصانع بابتسامةٍ هادئة، وأخذ الساعة منه، ثم وضعها على طاولته وفتح غطاءها. صمتَ الرجلُ طويلاً وهو يتأمل التروس الدقيقة، ثم رفع رأسه وقال للشاب: سأصلحها، لكن بشرطٍ واحد؛ أن تجلس معي وتراقبني دون أن تنطق بكلمةٍ حتى أنتهي.

وافق الشاب بضجر، وجلس يراقب. بدأت الساعات تمر، والشمس تميل نحو المغيب، والشاب يتململ، لكنه تذكر شرط العجوز فصمت. ومع كل دقيقة، كان يرى الصانع وهو لا يعالج الترس الأكبر فحسب، بل يزيل غباراً صغيراً جداً، ويضع قطرة زيتٍ لا تُرى بالعين المجردة، ويضبط توازناً لا يدركه إلا الخبير.

عندما غربت الشمس، دبت الحياة في الساعة، وبدأ عقرب الثواني يتحرك بانتظامٍ مذهل. حينها، أغلق العجوز الساعة وأعادها للشاب، وقال له: هل رأيت؟ هذه الساعة لم تتوقف لأن ترساً كبيراً انكسر، بل لأن ذرة غبارٍ صغيرةً تراكمت في مكانٍ غير مرئي، فأوقفت النظام العظيم.

تأمل الشابُ الساعةَ، ثم نظر إلى يديه اللتين كانتا ترتجفان من التوتر، فقال العجوز كلمته الأخيرة:
يا بني، الحياة ليست في العواصف الكبيرة التي تصيبنا، بل في تلك اللحظات الصغيرة التي نتجاهلها. لا تحتقر صغائر الأمور، ولا تستعجل النتائج، فالحكمةُ ليست في سرعة الإنجاز، بل في دقةِ العناية بما نغفل عنه.

خرج الشابُ من المتجر، ولم يعد يرى الوقتَ كخسارةٍ للثروة، بل كأمانةٍ تحتاج إلى قلبه أكثر من عقله.
💌🪶


#حكـم_عـدي
6❤2
July 14, 2026 125