محمد الكرنز | غفر الله له: post #246 — TG.ME

تأمّل هذا المشهد بقلبك قبل عينيك، وخذ نفسًا من الصمت، ثم ارجع بخيالك إلى المدينة المنورة يوم أن أظلمت الدنيا في عيون أهلها...

لم تكن المدينة في اليوم الثاني عشر من ربيعٍ الأول ترتدي ثوب الفرح، ولا كانت تُزيَّن لاستقبال يومٍ يُحتفل به، بل كانت تعيش أعظم مصيبة نزلت بها منذ أن عرفت الإسلام ...

تخيّل حُجرة عائشة رضي الله عنها... ذلك المكان الذي شهد اللحظات الأخيرة من حياة رسول الله ﷺ، وشهد خروج روحه الشريفة إلى الرفيق الأعلى، وتخيّل حالها رضي الله عنها وهي ترى أمام عينيها رسول الله ﷺ، زوجها وحبيبها، قد فارق الدنيا، وقد نزل بها من الحزن ما يعجز القلب عن وصفه، وأظلمت عليها حجرتها بفقده، بعد أن كانت عامرةً بوجوده ﷺ.
وتأمّل حال فاطمة رضي الله عنها، وهي تبكيه بدموع تحرق الخدود، وتقول: «يا أبتاه، أجاب ربًّا دعاه، يا أبتاه، من جنّة الفردوس مأواه، يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه».
ثم انظر إلى المسجد... إلى الصحابة الذين لم تستوعب قلوبهم الفاجعة.
انظر إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد أذهله هول المصيبة، وغلبه وقع الفاجعة، حتى قام في الناس يقول: «والله ما مات رسول الله ﷺ»، وأخذ يتوعد من قال بموته؛ فما كان ذلك إلا من شدة الصدمة وعظيم الرزية.
حتى أقبل أبو بكر رضي الله عنه، ذلك الجبل الذي ثبت حين اضطربت القلوب، فدخل على رسول الله ﷺ، فكشف عن وجهه، ثم قبّله وهو يبكي وقال: «بأبي أنت وأمي، طبت حيًّا وميتًا، والذي نفسي بيده، لا يذيقك الله الموتتين أبدًا».
ثم خرج إلى الناس، وعمر يتكلم، فقال له: «أيها الحالف، على رسلك».
فقام أبو بكر رضي الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال كلمته التي ردّت للأمة رشدها: «ألا من كان يعبد محمدًا ﷺ فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت».
ثم تلا قول الله تعالى:﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَيِّتُونَ﴾.
وتلا:﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾.
وهنا...
كأن الحقيقة نزلت على القلوب دفعةً واحدة.
يقول أنس بن مالك رضي الله عنه في وصف ذلك اليوم: «ما رأيت يومًا قط كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول الله ﷺ».
فبكت العيون، ونشجت الصدور، وعرف الصحابة أن الحبيب قد رحل، وأن الوحي قد انقطع، وأن الأمة لن ترى رسول الله ﷺ بعد ذلك اليوم.
كان يومٌ لا يشبهه يوم.
بكاءٌ ونحيب، ودموعٌ لا تكاد تنقطع، وصدورٌ مثقلةٌ بالفقد، وقلوبٌ مذهولةٌ من هول المصيبة. وجوهٌ أظلمها الحزن، ونفوسٌ أوجعها الفراق، ومدينةٌ كأن الحزن قد خيّم على كل ناحيةٍ منها.
فقدوا نبيهم ﷺ، وحبيبهم، ومعلّمهم، وقائدهم؛ الرجل الذي كان بين أظهرهم، يسمعون صوته، ويرون وجهه، ويأخذون عنه دينهم، فإذا به قد رحل إلى الرفيق الأعلى.

وهنا، يا من تقول: «أنا أحب رسول الله ﷺ، وهذا التاريخ يوافق مولده، وسأحتفل به»...

توقّف قليلًا...
لو أُعيد بك الزمن، ووقفت في المدينة في هذا اليوم، يوم مات رسول الله ﷺ، ورأيت عمر من هول المصيبة لا يكاد يصدّق أنه مات، ورأيت أبا بكر يدخل عليه فيقبّله والدموع في عينيه، ورأيت فاطمة تبكي أباها، ورأيت الصحابة يخرجون من المسجد وقلوبهم مكلومة مكسورة...
فهل كنت ستقيم فرحًا في اليوم الذي بكت فيه المدينة؟
هل كنت ستتوشح بالزينة في اليوم الذي انطفأت فيه أنوار الوحي؟
هل كنت ستجعل يوم وفاته ﷺ موسمًا للموائد والاحتفالات، بينما أولئك الذين أحبوه حقًا لم يفعلوا ذلك؟...

الحب الصادق للنبي ﷺ ليس أن نضيف إلى دينه ما لم يفعله، ولا أن نحول يوم فراقه إلى عيد.
الحب الصادق أن تقول: سمعنا وأطعنا.
الحب الصادق: أن تحيي سنته في بيتك، وفي أخلاقك، وفي عبادتك، وفي معاملاتك.
أن تكون سنته أحب إليك من عادات الناس.
أن تُعظّم ما عظّمه، وتلتزم بما أمر به، وتجتنب ما نهى عنه. وأن تقف حيث وقف، وألا تجعل في دينه شيئًا لم يشرعه. وأن تُحيي سنته في نفسك قبل أن تدعو إليها بلسانك، وتدافع عن هديه باتباعه قبل أن تدافع عنه بالكلام.
فيا قلبًا يبتغي الحقيقة...
لا تسأل فقط: كيف أُظهر محبتي للنبي ﷺ؟
بل اسأل السؤال الأعمق:
كيف كان رسول الله ﷺ يحب أن أتعبّد؟ وكيف كان أصحابه يعبّرون عن محبتهم له؟
ثم انظر إلى طريقهم... واتبع.
فليس كل من قال: «أحب رسول الله» عرف حقيقة المحبة...
إنما المحب من اتّبع.

-محمد هُمام الكرنز-
💔10💯3🫡3👍1😢1
August 21, 2026 461 6