مع اقتراب ما يُسمّى بـ "المولد النبوي"، يكثر الكلام حول إحياء هذه المناسبة، ويحتدم الجدل في مشروعيتها، حتى يصل الأمر أحيانًا إلى التهجم والطعن، واتّهام المنكر بأنه لا يحب النبي ﷺ.
فأود أن أعلّق على هذا الموضوع بذكر جملة من الأمور، منها:
أولًا: في كيفية محبة الله ورسوله ﷺ
المحبة الصادقة لله ولرسوله لا تُقاس بكثرة الادعاء ولا بمجرد إقامة شعائر لم تثبت، وإنما معيارها هو الاتباع والطاعة. قال الله تعالى:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].
فجعل الله الدليل على محبته ومحبّة رسوله هو اتباع سنة النبي ﷺ والالتزام بأوامره، لا الابتداع في الدين.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين 3 / 37 ـ ومقتصرا على الجملة الأولى ـ في روضة المحبين ص 266:
فليس الشأن في أن تحب الله، بل الشأن في أن يحبك الله، ولا يحبك الله إلا إذا اتبعت حبيبه ظاهرا وباطنا وصدقته خبرا وأطعته أمرا وأجبته دعوة وآثرته طوعا وفنيت عن حكم غيره بحكمه وعن محبته غيره من الخلق بمحبته وعن طاعة غيره بطاعته وإن لم يكن ذلك فلا تتعن وارجع من حيث شئت فالتمس نورا فلست على شيء...
ثانيًا: الاتباع عند خير القرون
لقد أثنى ﷺ على القرون الثلاثة الأولى، وسُمّيت بـ"القرون المفضَّلة"، حيث قال النبي ﷺ:
«خيرُ الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (متفق عليه).
وهؤلاء هم أصدق الناس حبًا لله ورسولهﷺ، وأكثرهم اتّباعًا، ومع ذلك لم يُعرف عنهم أنهم احتفلوا بمولده ﷺ، لا من الصحابة الكرام الذين عاشوا معه، ولا من التابعين الذين نقلوا سنته، ولا من أئمة الدين الذين حفظوا الشريعة. حتى أن صدّيق الأمة وصاحب رسول الله ﷺ الذي قال عنه رسول الله ﷺ: لَو كنتُ متَّخذًا من أهلِ الأرض خليلًا لاتَّخذتُ أبا بكرٍ خليلًا، والذي قال عنه فاروق الأمة رضي الله عنه: لو وُزِنَ إيمانُ أبي بكرٍ رضي اللهُ عنه بإِيمانِ أهلِ الأرضِ، لرجحَ بهِم، لم يحتفل بمولده ﷺ.
فلو كان في هذا العمل خير أو قربة إلى الله لسبقونا إليه، فهم أحرص الناس على الخير وأشد الناس محبة للنبي ﷺ. وبهذا يتبين أنّ ما لم يكن دينًا عندهم فلن يكون دينًا عند من بعدهم، كما قال الإمام مالك رحمه الله: «لن يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها».
ثالثًا: كيف يكون الاتباع؟
الاتباع يتحقق بالسير على ما جاء به النبي ﷺ، والتمسك بما صح من سنته، واجتناب ما لم يشرعه، فلا يُتعبد لله إلا بما شرعه على لسان رسوله ﷺ.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].
وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: 54].
فاتباع النبي ﷺ سبب لنجاة العبد وفوزه، كما أن ترك ذلك سبب للشقاوة والهلاك.
لذلك أمرنا الله تعالى بطاعته طاعة مطلقة:
قال تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80].
وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 71].
وقال: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 27].
وقال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: 66].
وتبيانًا لكيفية الطاعة:
قال ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (رواه البخاري)،
وكان يَقول في خُطبته: أمَّا بَعدُ، فإنَّ خَيرَ الحَديثِ كِتابُ اللَّهِ، وخَيرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وشَرَّ الأمورِ مُحدَثاتُها، وكُلَّ بدعةٍ ضَلالةٌ (رواه مسلم).
وقال ﷺ: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمّر عليكم عبد؛ فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة (رواه أبو داود والترمذي).
فالمؤمن الصادق يجعل محبته للنبي ﷺ دافعًا للاتباع، لا للابتداع. وبذلك يكون من أهل قوله تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].
رابعًا: أول من أحدث بدعة المولد
عرفنا أن بدعة المولد لم يعرفها الصحابة ولا التابعون، بل ابتدعها الفاطميون الباطنية (العبيديون) في مصر بالقرن الرابع الهجري، وزاد انتشارها في القرن السادس الهجري.
ابتدعوا المولد وجعلوه ستة موالد: لرسول الله ﷺ، ولفاطمة، ولعلي، وللحسن، وللحسين رضي الله عنهم، ومولد لملكهم (خليفتهم).
وقلدهم بعض جهال المسلمين، فانتشرت بدعة المولد في بلاد الشام ثم عمّت.
والدولة الفاطمية أو الدولة العُبَيْدِيَّةُ هي دولة شيعية إسماعيلية، نشأت في شمال أفريقيا ثم امتدت إلى مصر وبعض بلاد الشام وجزيرة العرب، وهم كفرة باطنية، وأجمع العلماء على كفرهم وزندقتهم.
فالخلاصة: أن المسلم الذي يحب الله ورسوله ﷺ يكون متبعًا لهم ولمن خلَف النبي ﷺ من القرون الفاضلة، ولا يتقرب لربه بفعل لم يفعله السلف وفعله أهل الكفر والزندقة. فإن فعل ذلك، فأين هو من الحب والإتّباع؟ ونسأل الله السلامة والمغفرة والقبول.
كتبه : محمد بن همام الكرنز
تاريخ :٢٧/صفر/١٤٤٧ هـ
18
4
2
1August 15, 2026 646 4