زهد القريب (مكانًا/زمانًا/نسبًا/صلةً) سنّةٌ كونيةٌ.
ولذا قيل: القرب حجاب.
وهذا القرب يقع من جهة:
- المكان= المجاورة في البلد أو المسكن
- الزمان= المعاصرة أو المقاربة في السن
- النسب
- الصحبة
وقلّ -أو ندر- أن يسلم من هذا أحدٌ إلا ما شاء الله.
وممن اجتمع فيه الحالان: شيخ الإسلام ابن تيمية.
فمثال الأول: ما ذكر الصفدي عن شيخ الإسلام ابن تيمية، قال:
(وكانت سمعته في البلاد البعيدة أكثر وأكبر وأشهر ممّا هي بالشام، خصوصًا بلده دمشق).
ولا أدل على ذلك من كثرة الاستفتاءات والمراسلات الواردة عليه من شتى الأصقاع، من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، فقد وردت عليه المسائل من أصبهان ومن الأندلس، ومن البحرين والحرمين ومن بلاد الترك، فضلا عما بينهم.
بل إن كتابه «الجواب الصحيح» ألفه جوابًا على رسالة وردت إليه خاصة من نصارى قبرص -كما نص على ذلك في بعض نسخ الرسالة وفي غيرها-.
وفي هذا دلالة ظاهرة على عظيم شأن الشيخ رحمه الله حيث خُصّ بالرسالة والخطاب في مثل هذا المقام.
ومثال الثاني: حال أخيه معه؛ حيث ذُكر عنه من التبجيل والتعظيم له الشيء الكبير، قال البزار: (وما رأيت أحدًا كان أشدَّ تعظيمًا للشيخ من أخيه هذا -أعني القائم بأوَدِه-، وكان يجلس بحضرته كأنّ على رأسه الطير، وكان يهابه كما يهاب سلطانًا، وكنا نعجب منه في ذلك ونقول له: إنّ من العرف والعادة أنّ أهل الرجل لا يحتشمونه كالأجانب، بل يكون انبساطهم معه فضلًا عن الأجنبي، ونحن نراك مع الشيخ كتلميذ مبالغ في احتشامه واحترامه. فيقول: إني أرى منه أشياء لا يراها غيري، أوجبَتْ أن أكون معه ما ترون).
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
من أبرز من آسى على مجافاته لشيخ الإسلام: الحافظ العلائي.
وممن يتكدر خاطري جدًّا إذا تذكرت حاله ومآله: إبراهيم الناجي*.. ماذا كان وكيف صار.
رحم الله الجميع وعفا عنهم
——————-
*صاحب «عجالة الإملاء» المشهور ببرهان الدين إبراهيم الناجي الشافعي (810-900هـ).
اختص بعلاء الدين ابن عروة الحنبلي وقرأ عليه القرآن وغيره وتزوج ابنته، وكتب أجزاء كثيرة من كتابه الكواكب الدراري، وصرح في خاتمتها باسمه: «إبراهيم بن محمد بن محمود بن بدر الحنبلي».
ثم فارقه وتحول شافعيًا أشعريًّا، فلقّب -أو: تلقّب- بالناجي؛ لنجاته -كما قيل- من مذهب الحنابلة ومعتقدهم!
هذا بعد ملازمته في صغره لابن عروة ونسخه لكثير من تراث شيخ الإسلام ابن تيمية الوارد في الكواكب الدراري، ومنه جملة كبيرة جدا في الاعتقاد كالبيان والأصبهانية والكثير من الفتاوى والرسائل العقدية وغيرها، بل ربما لا توجد لبعضها نسخة سوى نسخة الكواكب التي بخط البرهان إبراهيم، فلله الأمر من قبل ومن بعد.
وكتب عبدالله بن علي السليمان
١٦-١٧ / ٣ / ١٤٤٨هـ
August 30, 2026 3.1K 47