"يُستحضر الشقاقي عادةً في الحقليْن السياسي والنضالي، لكنّ موقعه كمفكر تأويلي لا يزال، في الغالب، طيّ الإهمال الأكاديمي. إذ يمكننا القول إنّ هناك غياب شبه تام للدراسات التي تناولت تجربته بوصفها مشروعاً معرفياً تأويلياً متكاملاً، يشتبك مع جدليات الفكر العربي والإسلامي المعاصر؛ ويقترح من فلسطين منطلقاً لإعادة تشكيل الوعي الحضاري. تعاملت معظم الكتابات، مع تجربة الشقاقي، كظاهرة تنظيمية مرتبطة بتأسيس "حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين"، ممّا حوّل فكره إلى مجرد بنية تفسيرية لسلوك الحركة وخياراتها السياسية، أو معياراً لمحاكمة الحركة وسلوكها، وليس كخطاب تأويلي يمتلك منطقه الداخلي، وشبكته المفهومية الخاصة، وإمكاناته النقدية في مساءلة الواقع والتاريخ. هذا الاختزال، وإنْ بدا مفهوماً مع مقاربات تهتم بفهم حركات التحرر الوطني في السياق الفلسطيني على المستوى التوثيقي والتحليل السياسي، إلّا أنّه أسهم في تغييب البُعد الفلسفي العميق لتجربة الشقاقي، وفي تقليص أفقه من مفكر مشتَبِك مع بنى الهيمنة المعرفية والسياسية، إلى قائد محلي تنظيمي يتموضع حول مهام وأدوار إدارية تنظيمية. وما فات هذه الدراسات، رغم انطلاقها من مقولة الشقاقي التأسيسية: "قضية فلسطين هي القضية المركزية للحركة الإسلامية"، أنّ الشقاقي لم يكن يستبطن فلسطين بوصفها مجرد جغرافيا للصراع، إنما كان يعيد تعريفها باعتبارها سؤالاً تأويلياً يمسّ جوهر النهوض، ومعنى الكرامة، وصياغة الذات التاريخية للأمة، وبالتالي فإنّ تلك الدراسات، التي انطلقت من "مركزية فلسطين"، فسرت تلك المقولة ولم تأولها، أو شرحت ما شرحه الشقاقي عن أبعاد مركزية فلسطين؛ البعدالديني، والبعد التاريخي، والبعد الواقعي، لكنها لم تتعامل مع شروحات الشقاقي كنصوص مولّدة للمعنى، وفاتحة لآفاق الفهم. يستدعي هذا الاختزال إعادة تموضع الشقاقي في فضاء الفكر. لإنصاف التجربة من جهة، ولإثراء الحقل المعرفي العربي بواحدٍ من أبرز النماذج التي جمعت بين الرؤية التأويلية والفعل الثوري ضمن مشروعٍ تحرري ذي أفق حضاري شامل من جهةٍ أخرى، وصولاً إلى الوقوف على تجربة الشقاقي وتأويلها للإجابة على الأسئلةالراهنة." من رسالة ماجستير بعنوان "فلسطين بين إماميْن: القسام والخميني. (دراسة في النقد والتأويل عند فتحي الشقاقي)"
10