الجزء الثاني: الوداع الحزين والخروج من المدينة إلى مكة 1. زيارة قبر… — فلسفة الحياة — TG.ME

الجزء الثاني: الوداع الحزين والخروج من المدينة إلى مكة 1. زيارة قبر الرسول (ص) والوداع الأخير المصادر التاريخية (مثل مقتل الحسين للخوارزمي وإرشاد الشيخ المفيد) تذكر أن الإمام الحسين (ع) قضى الليالي الأخيرة في المدينة يودع أهله وقبور أحبته. خرج في ليلة من الليالي إلى قبر جده رسول الله (ص)، وصلى هناك وبكى كثيراً، وناجى ربه عند القبر قائلاً: "اللَّهُمَّ إنَّ هَذَا قَبْرُ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ، وَأَنَا ابْنُ بِنْتِ نَبِيِّكَ، وَقَدْ حَضَرَنِي مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، اللَّهُمَّ إنِّي أُحِبُّ الْمَعْرُوفَ وَأُنْكِرُ الْمُنْكَرَ، وَأَنَا أَسْأَلُكَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ بِحَقِّ الْقَبْرِ وَمَنْ فِيهِ إلَّا اخْتَرْتَ لِي مَا هُوَ لَكَ رِضاً وَلِرَسُولِكَ رِضاً". كذلك زار الإمام قبر أمه فاطمة الزهراء (ع) وقبر أخيه الإمام الحسن المجتبى (ع) في البقيع ليودعهم الوداع الأخير. 2. وصية الإمام الحسين لأخيه محمد بن الحنفية قبل الخروج، دار حوار طويل وعميق بين الإمام الحسين وأخيه محمد بن الحنفية (الذي كان مريضاً ولم يستطع الخروج معه). ابن الحنفية كان خائفاً على الحسين من الغدر، واقترح عليه أن يتنحى ببلاده عن يزيد ويسكن البراري أو يذهب إلى اليمن لأنها حصينة ولها سوابق في حب أهل البيت. الإمام الحسين شكره على النصيحة، ولكنه أراد أن يوضح للجميع وللتاريخ الهدف الحقيقي من حركته، فكتب وصية تاريخية سلمها لأخيه محمد، وجاء في متنها الأساسي: "إني لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَلا بَطِراً، وَلا مُفْسِداً وَلا ظالِماً، وَإِنَّما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإِصْلاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي (ص)، أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَسِيرَ بِسِيرَةِ جَدِّي وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالِبٍ (ع)". هذه الوثيقة تعتبر الوثيقة الرسمية الأولى والأساسية التي تحدد هوية الثورة الحسينية؛ فهي ليست طلباً للسلطة من أجل السلطة، بل هي حركة إصلاحية شاملة. 3. تشكيل الركب الحسيني ومن خرج معه خرج الإمام الحسين من المدينة ومعه ثقله كله. الركب كان يتكون من: نساء أهل البيت: وعلى رأسهن السيدة زينب الكبرى (ع)، وأم كلثوم، وزوجاته، وبناته (سكينة، فاطمة، ورقية). أبناؤه وإخوته: أولاده (علي الأكبر، وعلي السجاد وكان مريضاً، وعمر، وجعفر، وعبد الله الرضيع)، وإخوته وعلى رأسهم أبو الفضل العباس، وجعفر، وعثمان، وعبد الله، وأبو بكر. أبناء عمومته: أبناء الإمام الحسن (ع) مثل القاسم وعون وعبد الله، وأبناء عقيل بن أبي طالب. بعض الموالي والأصحاب المقربين. أما من تخلف عنه من بني هاشم، فكان إما لعذر شرعي أو مرض (مثل محمد بن الحنفية)، أو بطلب من الإمام نفسه ليبقوا عيوناً له في المدينة ينقلون له الأخبار (مثل عبد الله بن جعفر الذي لحق بأولاده لاحقاً). 4. ليلة الخروج والمسير على الطريق الأعظم في ليلة الأحد، ليلتين بقيتا من شهر رجب سنة 60 هـ (حوالي 28 أبريل 680 م)، خرج الركب الحسيني من المدينة المنورة. وعند خروجه، قيل إن الإمام الحسين تمثل بآية القرآن الكريم التي تحكي قصة خروج النبي موسى (ع) من مصر خائفاً من فرعون: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 21]. ملاحظة تاريخية مهمة لبحثك: عبد الله بن الزبير كان قد خرج من المدينة قبله بيوم، ولكنه اتخذ "المنكَب" (أي الطرق الفرعية الوعرة والصحراوية المخفية) خوفاً من الطلب والملاحقة من قبل جند الأمويين. أما الإمام الحسين (ع)، فقد أصر على المسير عبر "الطريق الأعظم" (الطريق السريع والرئيسي والقوافل المعتادة). فقال له بعض أهل بيته: "لو اعتزلت الطريق الأعظم كما فعل ابن الزبير، كي لا يلحقك الطلب". فرد عليهم الإمام بكل ثقة وشجاعة: "لا والله، لا أفارقه حتى يقضي الله ما هو قاض". الإمام كان يريد لحركته أن تكون علنية وواضحة أمام كل المسلمين، ولا يريد الخروج كهارب. 5. الاستقرار في مكة وبداية التحرك السياسي استمرت الرحلة من المدينة إلى مكة حوالي خمسة أيام. دخل الإمام الحسين مكة ليلة الجمعة، لثلاث مضين من شهر شعبان سنة 60 هـ. وعند دخوله مكة، قرأ الآية القرآنية: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: 22]. نزل الإمام الحسين في دار "العباس بن عبد المطلب"، وفرح به أهل مكة فرحاً شديداً، وجعل المعتمرون والحجاج وأهل مكة يختلفون إليه (أي يزورونه ويبحثون معه أمور الدين والسياسة). حتى إن عبد الله بن الزبير، الذي كان يطمح لأخذ البيعة لنفسه في مكة، اضطر إلى مجاراة الوضع والتردد على مجلس الإمام، لأن وجود الحسين بمكة غطى على الجميع.

June 21, 2026 51